مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

44

تفسير مقتنيات الدرر

والمحاسبة كان ذلك من أقوى الدواعي إلى ملازمة التقوى وكانوا إذا رجعوا من الحجّ يجترؤن على اللَّه بالمعاصي فشدّد في تحذيرهم . قال أبو العالية : يجيء الحاجّ يوم القيامة ولا إثم عليه إذا اتّقى فيما بقي من عمره فلم يرتكب ذنبا بعد ما غفر له في الحجّ لكنّ المذنب المصرّ إذا حجّ فلا يقبل منه لعوده إلى ما كان عليه فعلامة الحجّ المبرور أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة كما حجّ إبراهيم أدهم مع رفيقه الصالح من بلخ ولمّا رجع من حجّه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وخرج عن ملكه وماله وأهله وعشيرته وبلاده وقطع العلائق واختار بلاد الغربة وقنع بالأكل من عمل يده إمّا من الحصاد أو من بطارة البساتين ، وكيف لا والحرّ الكريم لا ينقض العهد عمل يده إمّا من الحصاد أو من بطارة البساتين ، وكيف لا والحرّ الكريم لا ينقض العهد القديم ؟ وممّا يجب على الحاجّ اتّقاؤه المحارم وأن يجعل نفقته من كسب الحرام فإنّ اللَّه لا يقبل إلَّا الطيّب إذا حججت بمال أصله دنس فما حججت ولكن حجّت العير . وفي الحديث من حجّ بيت اللَّه من كسب الحلال لم يخطَّ خطوة إلَّا كتب اللَّه له بها سبعين حسنة وحطَّ عنه سبعين خطيئة ورفع له سبعين درجة . وحكي بعض من حجّ أنّه توفّي في الطريق في رجوعه فدفنه أصحابه ونسوا الفأس في قبره فنبشوه ليأخذوا الفأس فإذا عنقه ويداه قد جمعتا في حلقة الفأس فردّوا عليه التراب ثمّ رجعوا إلى أهله فسألوهم عن حاله فقالوا : صحب رجلا فأخذ ماله فكان يحجّ منه . والأولى له أنّه إذا أراد أن يحجّ بعد تصفية أمواله من حقوق اللَّه وحقوق الخلق وإصلاح أمور دينه بالتدارك والتوبة أن يستدين للحجّ نفقته ثمّ يقضي دينه من ماله كما كان يفعله بعض أهل التوبة والمعذرة وأصل الكلمة من العذرة وهي النجاسة تقول : عذرت الصبيّ إذا طهرته عن النجاسة ولا يقاوم غير الغضب والغلبة بدل الاعتذار . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 204 إلى 205 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُه ُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّه َ عَلى ما فِي قَلْبِه ِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّه ُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) قيل : نزلت الآية في الأخنس بن شريق كان يظهر الجميل بالنبيّ والمحبّة له والرغبة