مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

238

تفسير مقتنيات الدرر

منهما غذاءها خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا عسى اللَّه أن يتوب عليهم . ومنهم سابق بالخيرات وهو الَّذي غلبت روحانيّته على حيوانيّته فبالغ في غذاء روحانيّته وهو الذكر وقصّر في غذاء حيوانيّته وهو الطعام حتّى ماتت نفسه واستوت قوى روحه ، أولئك هم خير البريّة فكان كلّ الطعام حلالا لهم من الأطعمة المناسبة للإنسان إلَّا ما حرّم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن نزل عليه الوحي والإلهام ، وإنّما حرّمه على نفسه بسبب ارتقائه إلى درجة الملكيّة ومنع نفسه عن اللذّات بسبب نهي النفس عن هواها لا أنّه حرّمه حقيقة على وجه التشريع فهنيئا لهم . وبالجملة قال سبحانه في حقّ إبراهيم : « وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » لأنّه عليه السّلام ما جعل الشركة في الخلَّة مع اللَّه وما اتّخذ خليلا سواه وأحبّ من أحبّه اللَّه وأبغض من أبغضه اللَّه . قال الفضل بن عياض : يقول اللَّه يوم القيامة : يا ابن آدم أمّا زهدك في الدنيا فإنّما طلبت الراحة لنفسك في الآخرة وأمّا انقطاعك إليّ فإنّما طلبت العزّ لنفسك ولكن هل عاديت لي عدوّا أو وليت لي وليّا . فاسع أي العاقل في طاعتك بالخلوص في محبّة اللَّه فإنّه الكبريت الأحمر واللَّه لا يحبّ القلب المشترك بمحبّة غيره من شهوة أو غيرها . قال محمّد بن حسان : بينما أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج عليّ شابّ قد أحرقته السموم والرياح فلمّا رآني ولَّى هاربا فتبعته وقلت : عظني بكلمة أنتفع بها ، قال : احذره تعالى فإنّه غيور لا يحبّ أن يرى في قلب عبد سواه ، انتهى . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 96 ] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) . « البيت » ما يبيت فيه أحد ثمّ استعمل في المسكن مطلقا ، روي أنّه لمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة طعن اليهود في نبوّته صلَّى اللَّه عليه وآله وقالوا : إنّ بيت المقدس أفضل من الكعبة وأحقّ بالاستقبال ، لأنّه وضع قبل الكعبة وهو أرض المحشر ومهاجر الأنبياء وقبلتهم وهي الأرض المقدّسة الَّتي بارك اللَّه فيها للعالمين وفيها الجبل الَّذي كلَّم اللَّه عليه موسى عليه السّلام فتحويل القبلة منه إلى الكعبة باطل فنزلت :