مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

235

تفسير مقتنيات الدرر

الفراش ما نال من برّ الشمع وهو شعلته حتّى أنفق ما أحبّه وهو نفسه حتّى قيل : من أحبّ من دون اللَّه شيئا فقد حجب به عن اللَّه وأشرك شركا خفيّا لتعلَّق محبّته بغير اللَّه . حكي أنّ ربيع بن خثيم ضربه الفالج وطال به وجعه فاشتهى لحم دجاج فكفّ نفسه أربعين يوما فأبت فقال : لزوجته قد اشتهيت لحم دجاج منذ أربعين يوم فكففت نفسي رجاء أن تكفّ فأبت فقالت امرأته : سبحان اللَّه وأيّ شيء هذا تكفّ نفسك عنه وقد أحلَّه اللَّه لك فأرسلت امرأته إلى السوق فاشترت له دجاجة وذبحتها وشوتها وخبزت خبزا وجعلت لها أصباغا ثمّ جاءت بالخوان فوضعته بين يديه فقام سائل بالباب فقال : تصدّقوا عليّ بارك اللَّه لكم ، فكفّ عن الأكل وقال لامرأته : خذي هذا وادفعيه إليه ، فقالت له امرأته : سبحان اللَّه ، قال : افعلي ما آمرك به ، قالت : فاصنع ما هو خير له ، قال : وما هو ، قالت : تعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك ، قال : أحسنت ايتيني بثمنه فجاءت بثمنه ، فقال : ضعيه على هذا وادفعيه جميعا ففعلت ، ثمّ قال : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » . وبالجملة فلا يحصل القرب ولا يزول البعد إلَّا بقطع محبّة غير اللَّه وإفناء النفس والشهوة . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 93 ] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِه ِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 93 ) . النزول : لمّا نزل قوله تعالى : « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، الآية » « 1 » وقوله : « وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ - إلى قوله - ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ » « 2 » أنكر اليهود وغاظهم ذلك وبرّؤوا ساحتهم من الظلم وقالوا : لسنا بأوّل من حرمت عليه تلك المطعومات وما هو إلَّا تحريم قديم كانت محرّمة على نوح وإبراهيم ومن بعده وهلمّ جرّا حتّى انتهى التحريم إلينا ، وغرضهم نفي البغي والظلم والصدّ عن سبيل اللَّه من أنفسهم وما عدّد اللَّه من مساويهم الَّتي كلَّما ارتكبوا منها كبيرة حرّم عليهم نوع من الطيّبات عقوبة لهم .

--> ( 1 ) النساء : 160 . ( 2 ) الانعام : 146 .