مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

210

تفسير مقتنيات الدرر

وقد نجران : العاقب والسيّد وجماعة من النصارى معهما فلمّا وردوا إلى محضر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله قالوا له : هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزلت الآية فقرأها عليهم . إنّ شأنه البديع الغريب عليه السّلام في سلك الأمثال في تقدير اللَّه وحكمه كحالة عجيبة آدم عليه السّلام * ( [ خَلَقَه ُ مِنْ تُرابٍ ] ) * تفسير للمثل أي خلق قالب آدم من تراب * ( [ ثُمَّ قالَ لَه ُ كُنْ ] ) * أي صر بشرا * ( [ فَيَكُونُ ] ) * والمقتضي أن يقال : فكان ، إلَّا أنّه عدل عن الماضي إلى المضارع حكاية للحال بصورة المشاهد الَّذي يقع الآن . روي أنّ وفد نجران لمّا قدموا المدينة وهم أربعة عشر من أشراف النصارى منهم السيّد والعاقب والثالث أبو حارثة بن علقمة الاسقفّ وكان أبو حارثة في شرف وخطر عظيم وهو الَّذي بنى له ملك الروم الكنائس وكان السيّد اسمه أهيب ، ولمّا دخلوا على النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في المسجد بعد العصر عليهم ثياب حسان ولهم وجوه جسام فقاموا وصلَّوا واستقبلوا قبلتهم تجاه المشرق فأراد أصحاب النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أن يمنعوهم فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : دعوهم . ثمّ انتهى أبو حارثة هذا وآخر معه إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال لهما صلَّى اللَّه عليه وآله : أسلما ، فقالا : أسلمنا قبلك ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : كذبتما يمنعكما عن الإسلام ثلاث : عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير وزعمكما أنّ للَّه ولدا ، قالوا : يا محمّد فلم تشتم صاحبنا عيسى ؟ قال : وما أقول ؟ قالوا : تقول : إنّه عبد ، قال : أجل هو عبد اللَّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول ، فغضبوا وقالوا : هل رأيت إنسانا من غير أب وامّ ؟ فحيث سلَّمت أنّ عيسى لا أب له من البشر وجب أن يكون هو ابن اللَّه ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ آدم ما كان له أب ولا امّ ولم يلزم من ذلك كونه ابنا للَّه فكذا حال عيسى ، فالوجود من غير أب وامّ أخرق للعادة من الوجود من غير أب فشبّه صلَّى اللَّه عليه وآله الغريب بالأغرب ولشبهة الخصم أقطع . * ( [ الْحَقُّ ] ) * أي ما قصصنا عليك من نبأ عيسى ، هو الحقّ كائنا * ( [ مِنْ رَبِّكَ ] ) * لا قول النصارى أنّه ابن اللَّه ، وقولهم : ولدت مريم إلها ، ونحو ذلك * ( [ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ] ) * أيّها السامع من الشاكّين ، أو الخطاب للنبيّ على طريقة الإلهاب والتهييج والغرض زيادة التثبيت فيكون المعنى : دم على يقينك وعلى ما أنت عليه من الاطمينان . قال أبو منصور : العصمة لا ترفع النهي والخطاب .