مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

199

تفسير مقتنيات الدرر

* ( يَقُولُ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ ] ) * من غير ريث ، وهو تعبير لكمال قدرته وبيان لسرعة حصوله قال ابن عبّاس : كانت مريم في غرفة قد ضربت دونها سترا إذا هي برجل عليه ثياب بيض وهو جبرئيل « فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا » تامّ الخلقة فلمّا رأته « قالت أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ » ثمّ نفخ في جيب درعها حتّى وصلت النفخة إلى الرحم فاشتملت . قال وهب : وكان معها ذو قرابة يقال له يوسف النجّار ، وكان يوسف يستعظم هذا الأمر فإذا أراد أن يتّهمها ذكر صلاحها وإذا أراد أن يبرأها رأى ما ظهر عليها فكان أوّل ما كلَّمها أن قال لها : قد دخل في صدري شيء أردت كتمانه فغلبني ذلك فرأيت الكلام أشفى لصدري قالت : قل ، قال : فحدّثيني هل ينبت الزرع من غير بذر ؟ قالت نعم ، قال : فهل ينبت شجر من غير أصل ؟ قالت : نعم ، قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ، ألم تعلم أنّ اللَّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر والبذر يومئذ إنّما صار من الزرع الَّذي أنبت اللَّه من غير بذر ، ألم تعلم أنّ اللَّه خلق آدم وحوّاء من غير أنثى ولا ذكر ؟ فلمّا قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الَّذي بها شيء أكرمها اللَّه به روي أنّ عيسى عليه السّلام حفظ التوراة وهو في بطن امّه وكانت مريم تسمع عيسى وهو يدرس في بطنها ثمّ لمّا شرّف عالم الشهود أعطاه اللَّه الزهادة في الدنيا فإنّه كان يلبس الشعر ويتوسّد الحجر ويستنير القمر وكان له قدح يشرب فيه الماء ويتوضّأ فيه فرأى رجلا يشرب بيده فقال لنفسه : يا عيسى هذا أزهد منك ، فرمى القدح واستظلّ يوما في ظلّ خيمة عجوز فكان قد لحقه حرّ شديد فخرجت العجوز فطردته فقام وهو يضحك وقال : يا أمة اللَّه ما أنت أقمتني وإنّما أقامني الَّذي لم يجعل لي نعيما في الدنيا ، ولمّا رفع إلى السماء وجد عنده إبرة كان يرقع بها فاقتضت الحكمة الإلهيّة نزوله في السماء الرابعة فالسالك لا بدّ وأن ينقطع عن كلّ ما سوى اللَّه ويتجرّد عن العلائق والعوائق حتّى يسير إلى الملأ الأعلى ويطير إلى مقام قاب قوسين أو أدنى . وروي أنّ موسى عليه السّلام ناجى ربّه وقال : اللَّهمّ أرني وليّا من أوليائك فأوحى اللَّه إليه أن اصعد الجبل الفلانيّ وادخل في زاوية كذا في كهف كذا حتّى ترى وليّي ففعل فرأى فيه رجلا ميّتا توسّد بلبنة وفوق عورته خرقة وليس فيه شيء غيره فقال : اللَّهم إنّي أسألك أن تريني وليّك فأريتني هذا ، فقال سبحانه : هذا هو وليّي فو عزّتي