مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

113

تفسير مقتنيات الدرر

من خلق الذرّة « إِنَّما أَمْرُه ُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَه ُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 255 ] اللَّه ُ لا إِله َ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُه ُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَه ُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه ُ إِلَّا بِإِذْنِه ِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِه ِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّه ُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُدُه ُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ( 255 ) المتعالي بذاته عن الأنداد والأشباه العظيم الَّذي يستحقر كلّ شيء دونه والمراد من العلوّ علوّ القدر وهو منزّه عن التحيّز وكذا المراد من عظمته هي المهابة والكبرياء لا بحسب الحجم والمقدار . واعلم أنّ الَّذين يفسّرون الآية بتأويلهم الفاسد على أنّ هذه الآية وأمثالها مجرّد التمثيل ولا كرسيّ في الحقيقة . وإنّما خاطب الخلق في تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون بيوت ملوكهم وكذلك ما ذكر في محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيّين والشهداء ووضع الميزان . وأمثال هذه الآيات أوّلوها وقالوا : المراد من هذه الألفاظ بيان العظمة ولا صورة لها فهذا القول غلط فاسد بل تكذيب للكتاب والسنّة ولا يجوز إبطال الصورة والأعيان مطلقا مثل الجنّة والنار والعرش والكرسيّ والشمس والقمر وكذلك من الحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار ولا يؤوّل شيء منها على مجرّد المعنى بل لا بدّ للمسلم أن يثبت ويعلم لها صورا ومعان وحقائق ومن سلك غيره سلك مسلك النار ، وأوّل باب التأويل في مثل هذه الأمور فتح باب الإلحاد نسأل اللَّه أن يجيرنا من مضلَّات الفتن . والأكثرون على أنّ آية الكرسيّ إلى قوله : « العليّ العظيم » وهذه الآية الكريمة منطوية على مهمّات المسائل المتعلَّقة بالذات العليّة والصفات الجليّة فإنّها ناطقة بأنّه موجود متفرّد بالإلهيّة متّصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجود لغيره لما أنّ « القيّوم » هو القائم بذاته كما ذكرنا منزّه عن التحيّز والحلول مبرّأ من التغيّر والفتور ، لا مناسبة بينه وبين الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح ، مالك الملك ومبدع الأصول والفروع ، ذو البطش الشديد ، العالم بجميع الأشياء ، لا يشغله شأن عن شأن ، لا يشقّ عليه شاقّ ، متعال عمّا تناله الأوهام ، عظيم لا يحاط ولذلك قال صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ أعظم آية في القرآن آية الكرسيّ وكذلك لعظم مقتضاها في الأوصاف .

--> ( 1 ) يس : 82 .