محمود أبو رية
286
أضواء على السنة المحمدية
تقبل روايته منهم ومن ترد ، لم يستطيعوا على كثرة ما بذلوا في هذا البحث من تعب أن يصلوا إلى ما كان ينبغي أن يبلغوه ، ولا تم لهم ما أرادوا أن يحققوه ، لأن بحثهم قد جرى على قدر وسعهم وإمكانهم الإنساني ، ولم يتجاوزوا الظاهر من أحوال الرواة ، ولا تثريب عليهم في ذلك ، لأن الوقوف على أسرار الرجال وبواطنهم محال بل مستحيل . وفي ذلك يقول الوزير اليماني في الروض الباسم . نجد كثيرا من أئمة الجرح والتعديل يترددون في الراوي فيوثقونه مرة ويضعفونه مرة ! لأن دخول وهمه في حيز ( الكثرة ) مما لا يوزن بميزان معلوم وإنما يظن ويرجع فيه إلى التحري والاجتهاد ، فصار النظر فيه كنظر الفقهاء في الحوادث الظنية ، فلذا يكون لابن معين ( 1 ) في الراوي قولان ، التوثيق والتضعيف ونحو ذلك - والاحتراز عن الوهم غير ممكن ، والعصمة مرتفعة عن العدول ، بل العصمة ( أي عصمة الرسول ) لا تمنع من الوهم إلا في التبليغ ( أي تبليغ الوحي ) فقد وهم رسول الله أنه صلى بعض الفرائض على الكمال . . فقال له ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ( 2 ) . ومن أجل ذلك جاءت كل كتب الحديث تحمل الصحيح وغير الصحيح حتى ما كان موضوعا مكذوبا ، ولم يسلم من ذلك كتاب حتى البخاري ومسلم اللذين سموهما بالصحيحين فقد نالهما ضربات قوية من سهام الناقدين . ولما كانت هذه الكتب قد جاءت بهذه المثابة وأنها قد خلت من الأحاديث المتواترة التي تعطي اليقين بل كل ما فيها أحاديث آحاد التي لا تفيد غير الظن ، فإن علماء الأمة من فقهاء وأصوليين وكلاميين لم ويأخذوا بها ، ولا تقيدوا بما فيها . وكذلك علماء النحو ، فإنهم لم يجعلوا الحديث مما يستشهدون به على اللغة والنحو بعد ما ثبت عندهم أنه لم يأت صحيح متواترا كما نطق النبي به ، وإنما جاءت روايته بالمعنى ، ومن حججهم في ذلك حديث زوجتها بما معك ( 3 ) فقد جاء بثمان صيغ على حين أنه كلمتان !
--> ( 1 ) يحيى بن معين من كبار علماء الجرح والتعديل . ( 2 ) راجع ص 81 ج 1 ( 3 ) راجع قصة هذا الحديث في صفحة 91 من هذا الكتاب .