محمود أبو رية

199

أضواء على السنة المحمدية

وفي خاص الخاص للثعالبي ( 1 ) : كان أبو هريرة يقول : ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار ، وما رأيت فارسا أحسن من زبد على تمر . قد جعل أبو هريرة الأكل من المروءة ، فقد سئل : ما المروءة ؟ قال : تقوى الله وإصلاح الصنيعة ، والغداء والعشاء بالأفنية . وقد أضربنا عن أخبار كثيرة لأن في بعضها ما يزيد في إيلام بعض الناس . حديث زر غبا تزدد حبا : قال رسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ذات يوم : زر غبا تزدد حبا ، وقد كان صلوات الله عليه نعم المؤدب لأصحابه ، وكان دائما يتولاهم بحكمته ، ويغرس فيهم مكارم أخلاقه بسيرته ، وما كان له ( صلى الله عليه وسلم ) أن يذر مثل أبي هريرة على ما كان عليه من غشيان البيوت في كل وقت ، يقبله هذا ويصده ذاك ، من غير أن يؤدبه بأدبه العالي ، وكان سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال له : أين كنت أمس يا أبا هريرة ؟ قال زرت أناسا من أهلي ، فقال يا أبا هريرة : زر غبا تزدد حبا . وقد ذكر أبو حيان التوحيدي في كتابه " الصداقة والصديق " قال أبو هريرة : لقد دارت كلمة العرب " زر غبا تزدد حبا " إلى أن سمعت من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) " ولقد قالها لي " . قال العسجدي : " ليست هذه الكلمة محمولة على العام ، ولكن لها مواضع يجب أن تقال فيها ، لأن الزائر يستحقها ! ألا ترى أنه صلوات الله عليه لا يقول ذلك لأبي بكر ، ولا لعلي بن أبي طالب وأشباههما ، فأما أبو هريرة فأهل ذاك ! لبعض الهنات التي يلزمه أن يكون مجانبا لها ، وحائدا عنها ( 2 ) " . وهنات أبي هريرة التي يغمزه بها العسجدي ، أنه كان لنهمه يغشي بيوت الصحابة في كل وقت ، وكان بعضهم يزور عنه ، وينزوي منه ، فأراد الرسول أن يلقي عليه درسا في أدب الزيارة وغشيان البيوت ، فذكر له المثل العربي " زر غبا تزدد حبا " . وكان صلوات الله عليه لا يفتأ يتعهد أصحابه بالتأديب وتحرى حسن الخلق .

--> ( 1 ) ص 43 . ( 2 ) ص 51 .