ابن الجوزي
312
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أسفل واسط من قرية تعرف بالحدادية [ 1 ] ، مقطعة لخمارتكين الحلبي ، صادرنا على ألف وستمائة دينار ، وكسر ثنيتي أحدنا والثنيتان بيده ، وقد قصدناك أيها الملك لتقتص لنا منه ، فقد شاع من عدلك ما حملنا على قصدك ، فإن أخذت بحقنا كما أوجب الله عليك وإلا فاللَّه الحاكم بالعدل بيننا . وفسر على السلطان ما قالاه . قال عبد السميع : فشاهدت السلطان وقد نزل عن فرسه وقال : ليمسك كل واحد منكما بطرف كمي واسحباني إلى دار حسن هو نظام الملك [ فأفزعهما ] [ 2 ] ذلك ، ولم يقدما عليه ، فأقسم عليهما إلا فعلا ، فأخذ كل واحد منهما بطرف كمه وسارا به إلى باب النظام ، فبلغه الخبر ، فخرج مسرعا وقبّل الأرض بين يديه وقال أيها السلطان المعظم ، ما حملك على هذا ؟ فقال : كيف يكون حالي غدا بين يدي الله [ 3 ] إذا طولبت بحقوق المسلمين وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف ، فإن تطرق على الرعية ثلم لم يتطرق إلا بك وأنت المطالب ، فانظر بين يديك ، فقبّل / الأرض وسار في خدمته ، وعاد من وقته ، فكتب بعزل خمارتكين وحل اقطاعه ، وردّ المال إليها [ 4 ] وقلع ثنيتيه إن ثبت عليه البينة ، ووصلهما بمائة دينار ، وعادا من وقتهما . واستحضر ملك شاه مغنية مستحسنة بالري فأعجبته بغنائها واستطابه ، فتاقت نفسه إليها فقالت له : يا سلطان ، إني أغار على هذا الوجه الجميل أن يعذّب بالنار وأن بين الحلال والحرام كلمة . فقال : صدقت . واستدعى القاضي فزوّجه إياها وكان هذا السلطان قد أفسد عقيدته الباطنية ، ثم رجع إلى الصلاح . قال المصنف : نقلت من خط ابن عقيل قال : كان الجرجاني الواعظ مختصا بجلال الدولة فاستسرني أن الملك قد أفسده الباطنية ، فصار يقول لي : أيش هو الله ؟ وإلى ما تشيرون بقولكم الله ؟ فبهت وأردت جوابا حسنا فكتبت : اعلم أيها الملك أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس ، فإذا فقدوه جحدوه ، وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة ، وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس ، ولم يجحدها العقل ، ولم يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها ، فإن قال لك أحد من هؤلاء :
--> [ 1 ] « تعرف بالحدادية » سقطت من ص ، ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 3 ] في ص : « عند الله » [ 4 ] في ص : « ورد المال عليهما وقال : وقلع . . . »