ابن الجوزي

217

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

بأصفهان ، فلحقه عليه ما زاد على المعهود ، ولم يسمع بأمثاله ، ورام قتل نفسه دفعات ، فمنعه خواصه ، ومنع من أخذه وغسله لقلة صبره على فراقه ، إلى أن تغيّر فمكن من ذلك ، وامتنع عن المطعم والمشرب ، ونزع أثواب الصبر ، وأغلق أبواب السلو ، وجز الأتراك والتركمان شعورهم ، وكذلك نساء الحشم والحواشي والخيول ، وأقام أهل البلد المآتم في المنازل والأسواق ، وبقيت الحال على هذا سبعة أيام ، وخرج السلطان بعد شهر إلى الصيد وكتب بخطه رقعة يقول فيها : أما أنا يا ولدي داود فقد خرجت إلى الصيد ، وأنت غائب عني ، وعندي من الاستيحاش لفراقك والا نزعاج لبعدك عني ، والبكاء على أخذك مني ، ما أسهر ليلي ، ونغص عيشي ، وقطع كبدي ، وضاعف كمدي ، فأخبر أنت بعدي مالك وحالك ، وما غير البلى منك ، وما فعل الدود بجسمك ، والتراب بوجهك وعينك ، وهل عندك علي مثل ما عندي ، وهل بلغ الحزن بك ما بلغ بي ، فوا شوقاه إليك ، ووا حسرتاه عليك ، ووا أسفا على ما فات منك . وحملت الرقعة إلى نظام الملك فقرأها وبكى بكاء شديدا ، وجمع الوجوه والمحتشمين وقصد بهم القبر ، وقرأ الرقعة عليه وارتج المكان بالبكاء والعويل ، وتجدد الحزن في البلد / واللطم وعادت المصيبة كأول يوم ، وجلس الوزير عميد الدولة [ 1 ] 106 / أللعزاء في صحن السلام ثلاثة أيام أولها يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة . [ دخول خادمين لشرف الدولة عليه الحمام فخنقاه ] وفي هذه السنة [ 2 ] : دخل خادمان لشرف الدولة مسلم بن قريش عليه الحمام فخنقاه [ وأدركه أصحابه وقد شارف الموت ، فنجا ] [ 3 ] وقتل الخادمان . وذكر محمد بن عبد الملك أن خادما واحدا وثب في الحمام فخنقه [ 4 ] وسمعت زوجته الصراخ [ 5 ] فبادرت إلى الحمام ، فوجدته مغلقا فكسرت الباب ، فخرج خادم فقال : إن هذا الأمير يراودني على نفسي ، ويطلب مني الفاحشة ، وأنا آبى ذلك . فخرج

--> [ 1 ] « وعادت المصيبة كأول يوم وجلس الوزير عميد الدولة » سقطت هذه العبارة من ص . [ 2 ] هذا الحدث ورد في ت في أول أحداث السنة . [ 3 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 4 ] « فخنقه » سقطت من ص ، ت . [ 5 ] في ص : « الصياح » .