ابن الجوزي
127
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فقال له : إذا كنت قد مننت عليّ فعجّل تسريحي قبل أن تنصّب الروم ملكا غيري ، ولا يمكنني أن أقرب منهم ، ولا أفي بشيء مما بذلته . فقال السلطان : أريد أن تعيد أنطاكية ، والرها ، ومنبج ، فإنّها أخذت من المسلمين عن قرب ، وتطلق أسارى المسلمين . فقال : / إذا رجعت إلى ملكي سوف 63 / أأريك ما أفعل [ 1 ] فأنفذ إلى كل موضع منها عسكرا وحاصره ، لا توصل إلى تسليمها [ 2 ] ، فأما أن أبتدئ بذلك فلا يقبل مني ، وأما الأسارى فأنا أسرحهم وأفعل الجميل معهم . فتقدم السلطان يفك قيده وغله ، ثم قال : أعطوه قدحا ليسقينيه ، فأعطي فظن أنه له فأراد أن يشربه فمنع منه ، وأمر أن يخدم السلطان ، ويتقدم إليه ويناوله إياه ، وأومأ إلى الأرض إيماء قليلا على عادة الروم ، وتقدم إليه فأخذ السلطان القدح ، وجز شعره ، فجعل وجهه على الأرض وقال : إذا خدمت الملوك فافعل هكذا . وكان لذلك سبب اقتضاه وهو أن السلطان قال بالري : ها أنا أمضي إلى قتال ملك الروم وآخذه أسيرا ، وأقيمه على رأسي ساقيا . وانصرف ملك الروم إلى خيمته ، فاقترض عشرة آلاف دينار فأصلح منها شأنه ، وفرّق في الحواشي والأتباع والموكلين به ، واشترى جماعة من بطارقته واستوهب آخرين . فلما كان من الغد أحضره وقد ضرب له سريره وكرسيه اللذان أخذا منه ، فأجلسه عليهما ، . وخلع قباءه وقلنسوته فألبسه إياهما وقال له : إني [ 3 ] قد اصطنعتك وقنعت بقولك ، وأنا أسيّرك إلى بلادك ، وأردّك إلى ملكك . فقبّل الأرض ، وقال له : أليس ينفذ إليك خليفة الله [ تعالى ] [ 4 ] في أرضه رسولا يحملك به ويقصد إصلاح أمرك ؟ فتأمر بأن يكشف رأسه ويشد وسطه ويقبّل الأرض بين يديك ، وكان بلغه أنه فعل هذا بابن المحلبان فقال ما فعلت ؟ فقال : أليس الأمر على ما
--> [ 1 ] « سوف أريك ما أفعل » سقطت من ص ، ت . [ 2 ] في الأصل : « لا توصل إلى ساحتها » . [ 3 ] « إني » سقطت من ص . [ 4 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل .