ابن الجوزي
128
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يقول . وبان له منه تغير فقال : يا سلطان في أي شيء وفقت حتى أوفق في هذا ؟ وقام 63 / ب وكشف رأسه ، وأومأ إلى الأرض وقال : هذا عوض عما فعلته برسوله / فسر السلطان بذلك ، وتقدم بأن عقدت له راية عليها مكتوب : « لا إله إلا الله محمد رسول الله » فرفعها على رأسه وأنفذ حاجبين ومائة غلام يسيرون معه إلى قسطنطينية ، وشيعه نحو فرسخ ، فلما ودّعه أراد أن يترجل فمنعه السلطان ، واعتنقا ثم افترقا . وهذا الفتح في الإسلام كان عجبا لا نظير له ، فإن القوم اجتمعوا ليزيلوا الإسلام وأهله ، وكان ملك الروم قد حدثته نفسه بالمسير إلى السلطان ولوالي الري ، وأقطع البطارقة البلاد الإسلامية وقال لمن أقطعه بغداد : لا تتعرض لذلك الشيخ الصالح ، فإنه صديقنا - يعني الخليفة - وكانت البطارقة تقول : لا بد أن نشتو بالري ونصيف بالعراق ، ونأخذ في عودنا بلاد الشام [ 1 ] . فلما كان الفتح ووصل الخبر إلى بغداد ضربت الدبادب والبوقات ، وجمع الناس في بيت النوبة ، وقرئت كتب الفتح ، ولما بلغ الروم ما جرى حالوا بينه وبين الرجوع إلى بلاده [ 2 ] ، وملَّكوا غيره ، فأظهر الزهد ولبس الصوف ، وأنفذ إلى السلطان مائتي ألف دينار وطبق ذهب عليه جواهر قيمتها تسعون ألف دينار ، وحلف بالإنجيل أنه ما يقدر على غير ذلك ، وقصد ملك الأرمن مستضيفا به وكحله وبعث إلى السلطان يعلمه بذلك . ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر 3406 - أحمد بن محمد بن عبد العزيز ، أبو طاهر العكبريّ [ 3 ] . ولد سنة تسعين وثلاثمائة ، وسمع الحديث مع أخيه أبي منصور النديم . وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة ، وكان سماعه صحيحا .
--> [ 1 ] في الأصل : « في عودنا إلى دمشق الشام » . [ 2 ] في ص : « إلى بلادهم » . [ 3 ] العكبريّ : بضم العين وفتح الباء الموحدة . وقيل : بضم الباء أيضا ، والصحيح بفتحها ، بلدة على الدجلة فوق بغداد بعشرة فراسخ من الجانب الشرقي ، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين ، وهي أقدم من بغداد ( الأنساب 9 / 27 ) .