ابن الجوزي
73
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ولم ؟ قال : لأنه علم من [ أعلام ] [ 1 ] الإسلام يستدل به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا ، وإنما هو بأمر دين . فقال : أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم . وأمر أن ينقض القصر الأبيض ، فنقضت ناحية منه ، وحمل نقضه ، فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد ، فرفع ذلك إلى المنصور ، فدعا خالدا فأخبره وقال : ما ترى ؟ قال : قد كنت أرى أن لا تفعل ، فأما إذ فعلت فأرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده لئلا يقال إنك عجزت عن هدمه . فأعرض المنصور عن ذلك وأمر أن لا يهدم . أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال : أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال : أخبرنا محمد بن عمر المرزباني قال : أخبرنا أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الحصيني قال : حدّثنى أبو علي أحمد بن إسماعيل قال : لما صارت الخلافة إلى المنصور أمر بنقض إيوان المدائن فاستشار جماعة من أصحابه ، وكلهم أشار عليه بمثل ما همّ ، وكان معه كاتب من الفرس فاستشاره [ 2 ] في ذلك فقال له : يا أمير المؤمنين ، أنت تعلم أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خرج من تلك القرية - يعني المدينة - وكان له بها مثل ذلك المنزل ، ولأصحابه مثل تلك الحجر ، فخرج أصحاب ذلك الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم حتى جاؤوا مع ضعفهم إلى صاحب هذا الإيوان مع عزته وصعوبة أمره / ، حتى غلبوه وأخذوه من يديه قسرا 36 / أوقهرا ، ثم قتلوه ، فيجيء الجائي من أقاصي الأراضي فينظر إلى تلك المدينة وإلى هذا الإيوان ، ويعلم أن صاحبها قهر صاحب هذا الإيوان ، فلا يشك أنه بأمر الله عز وجل ، وأنه هو الَّذي أيده ، وكان معه ومع أصحابه ، وفي تركه فخر لكم ، فاستغشّه المنصور واتهمه لقرابته من القوم ، ثم بعث في بعض الإيوان فنقض منه الشيء اليسير ، ثم كتب إليه أنه يغرم [ 3 ] في نقضه أكثر مما يسترجع ، وأن هذا تلف للأموال وذهابها . فدعا الكاتب فاستشاره فيما كتب به إليه ، فقال له : قد كنت أشرت بشيء لم يقبل مني ، وأما الآن فإنّي آنف لكم أن يكونوا أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وما أثبتناه من ت . [ 2 ] في الأصل : « فاستشار » وما أثبتناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « أنه إذا يغرم في نقضه » .