ابن الجوزي
74
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
هدمه والصواب أن تبلغ به الماء . ففكر المنصور فعلم أنه قد صدق ، ثم نظر فإذا هدمه يتلف الأموال فأمر بالإمساك عنه . وقيل إن أبا جعفر لما أمر بحفر الخنادق وأنشأ بناء الأساس أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعا ، وقدر أعلاه عشرين ذراعا ، فلما بلغ البناء قامة أتاه خروج محمد فقطع البناء ، وخرج إلى الكوفة ، فلما فرغ من حرب محمد رجع إلى بغداد . أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال : أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال : أخبرنا الحسن بن أبي طالب قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن عروة قال : أخبرنا أبو بكر الصولي قال : قال رجل من ولد الربيع . لما أراد أبو جعفر أن يبني لنفسه كان يؤتى من كل مدينة بتراب فيعفنه فيصير عقارب وهوام ، حتى أتى بتربة بغداد ، فخرج صرّارات ، وأتى الخلد فنظر إلى دجلة والفرات فأعجبه ، فرآه راهب كان هناك وهو يقدّر بناءها . فقال : لا يتم ، فبلغه فأتاه . فقال : نعم ! . نجد في كتبنا أن الذي يبنيها ملك يقال له : مقلاص . قال أبو جعفر : كانت والله أمي تلقبني في صغري مقلاصا [ 1 ] . أخبرنا عبد الرحمن قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : أخبرنا ابن أبي علي المعلى قال : أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال : أخبرنا محمد بن جرير / إجازة : أن أبا جعفر ابتدأ أساس المدينة سنة خمس وأربعين ومائة ، واستتم البناء سنة ست وأربعين ومائة وسمّاها مدينة السلام [ 2 ] . قال الخطيب : وبلغني أنه لما عزم على بنائها أحضر المهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرض ، فمثّل لهم صفتها التي في نفسه ، ثم أحضر الفعلة والصنّاع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم ، وأجرى عليهم الأرزاق ، وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من أمر البناء ، ولم يبتدئ في البناء حتى تكامل بحضرته من أهل الصناعات ألوف كثيرة ، ثم اختطها وجعلها مدوّرة . ويقال : لا يعرف في أقطار الأرض كلها مدينة مدوّرة سواها ، ووضع أساسها في وقت اختاره نوبخت المنجّم [ 3 ] .
--> [ 1 ] انظر الخبر في : تاريخ بغداد 1 / 66 . [ 2 ] انظر الخبر في : تاريخ بغداد 1 / 66 . [ 3 ] انظر الخبر في : تاريخ بغداد 1 / 67 .