ابن الجوزي
6
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
وأقم بالشام فتكون بقرب أمير المؤمنين ، فإن أحبّ لقاءك أتيته من قرب . فلما أتاه الكتاب غضب وقال : هو يوليني الشام ومصر ، وخراسان لي ! وعزم على المضي إلى خراسان مجمعا على ذلك ، فكتب بذلك يقطين إلى أبي جعفر . وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن ، وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه ، فكتب أبو مسلم ، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حلوان : قد كنا نروي عن ملك آل ساسان أنّ أخوف ما يكون من الوزراء إذا سكنت الدهماء ، فنحن نافرون من قربك ، حريصون على الوفاء بعهدك ، حريّون بالسمع والطاعة ، غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة ، فإن أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبد لك ، وإن أبيت إلا أن تعطي نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ، ضنا بنفسي . فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب [ إلى أبي مسلم : قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة ملوكهم ] [ 1 ] الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم ، وإنما راحتهم في انتشار نظام الجماعة ، فلم سوّيت نفسك بهم ، وأنت [ في ] [ 2 ] طاعتك ومنا صحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء [ 3 ] هذا الأمر على ما أنت به ! وقد حمل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكن إليها إن أصغيت إليها ، وأسأل الله أن يحول بين السلطان ونزغاته وبينك ، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده وأقرب من طبّه [ 4 ] من الباب الَّذي فتحه عليك . ثم إن أبا جعفر وجّه إلى أبي مسلم جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي ، 4 / أوكان واحد أهل زمانه / ، فخدعه وردّه . قال جرير : نزلت معه جسر النهروان فتغدينا ، فقال : أين أمير المؤمنين ؟ قلت : بالمدائن . قال : في أي المواضع ؟ قلت : في صحراء . قال : فما اسم الموضع ؟ قلت : رومية . فأطرق طويلا ثم قال : سر ولا حول [ 5 ] ولا قوة إلا باللَّه .
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، وأثبتناه من ت . [ 2 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، وأثبتناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « واصطناعك بما حملت من أعداء » وما أثبتناه من ت . [ 4 ] في ت ، الأصل : « من ظنه » والتصحيح من الطبري والطب : هو السحر . [ 5 ] في الأصل : « سيروا لا حول ولا قوة إلا باللَّه » .