ابن الجوزي
7
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
قال جرير : وقد كان قيل له إنك تقتل أو تموت برومية . فظنها بلاد الروم . ثم قال : * ( إِنَّا لِلَّه ِ وَإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ 2 : 156 ) * [ 1 ] ذهبت والله نفسي بيدي . ثم جعل يخاطب نفسه ويقول : يا أبا مسلم ، فتح لك من باب المكايد في عدوك وصديقك ما لم يفتح لأحد حتى إذا دان لك من بالمشرق والمغرب ، خدعك عن نفسك من كان يهاب بالأمس من ينظر إليك * ( إِنَّا لِلَّه ِ وَإِنَّا إِلَيْه ِ راجِعُونَ 2 : 156 ) * [ 2 ] . ثم تمثل : فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت عند الناس عار [ 3 ] فأقبل وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه ، وكان فيمن بعث إليه عيسى بن موسى ، فحلف له بعتق كل مملوك له ، وصدقة كل ما يملك ، وطلاق نسائه ، وقال : لو خيّر المنصور بين موت أبيه وموتك لاختار موت أبيه ، فإنه لا يجد منك خلفا . فأقبل معه ، فلما دخل أبو مسلم المدائن قال لعيسى بن موسى : تدري ما مثلي ومثلك ومثل عمك ؟ مثل ثلاثة نفر كانوا في سفر فأتوا على عظام نخرة ، فقال أحدهم : عندي طب إذا رأيت عظاما متفرقة ألفتها . فقال الثاني : وأنا إذا رأيت عظاما موصولة كسوتها لحما . فقال الثالث : وأنا إذا رأيت عظاما مكسوة لحما أجريت فيها الروح . ففعلوا ذلك ، فإذا الَّذي أحيوه أسد ، فقال الأسد في نفسه : ما أحياني هؤلاء إلا وهم على أن يميتوني أقدر . فوثب عليهم فأكلهم ، والله ليقتلنّي وليقتلن عمك ، وليخلعنك أو ليقتلنك . وفي رواية : أن أبا مسلم كتب إلى أبي جعفر : أما بعد ، فإنّي اتخذت رجلا إماما ، فحرّف القرآن عن مواضعه طمعا في قليل قد بغاة الله عز وجل / إلى خلقه ، فكان كالذي 4 / ب ولي بغرور ، فأمرني أن أجرد السيف ، وأن أرفع الرحمة ولا أقيل العثرة ، ففعلت توطئة لسلطانك حتى عرفكم من كان يجهلكم ، ثم استنقذني الله بالتوبة ، فإن يعف عني فقديما عرف به ونسب إليه ، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي ، وما الله بظلام للعبيد .
--> [ 1 ] سورة : البقرة ، الآية : 156 . [ 2 ] سورة : البقرة ، الآية : 156 . [ 3 ] في ت : « وهل بالموت يا للناس من عار » .