ابن الجوزي

56

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فيصير حجة ، ويحسّن ما يشاء فيحسن ، ويقبح ما يشاء فيقبح ، أدبتهم أنفسهم ، ورفعتهم هممهم ، وأعلمتهم قلوبهم وألسنتهم ، فرفع الله لهم أكرم الفخر ، وبلغ بهم أشرف الذكر ، وختم لهم بملك الدنيا على الدهر ، وافتتح دينه وخلافته منهم إلى الحشر ، فمن دفع حقهم [ 1 ] خسر ، ومن أنكر فضلهم خصم ، ودفع الحق باللسان أكبت للجنان . واجتمع ابن المقفع بالخليل بن أحمد فقال الخليل : علمه أكثر من عقله . وكان ابن المقفع مع هذا يتهم في دينه ، فروي عن المهدي أنه قال : ما وجدت كتاب زندقة قط إلا وأصله ابن المقفع . وقد حكى المرتضى عن الجاحظ أنه قال : كان ابن المقفع ومطيع بن إياس ومنقذ بن زياد يتهمون في دينهم . قال المرتضى : ومرّ ابن المقفع ببيت نار للمجوس بعد أن أسلم ، فتلمحه [ 2 ] ثم قال : يا بيت عاتكة الَّذي أتعزل حذر العدي وبه الفؤاد موكل إني لأمنحك الصدود وإنني قسما إليك مع الصدود لأميل وكان ابن المقفع قد كتب كتاب أمير المؤمنين لعبد الله بن علي ، وكتب فيه : ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد الله فنساؤه طوالق ، ودوابه حبس ، وعبيده أحرار ، والمسلمون في حلّ من بيعته . فاشتد ذلك على المنصور ، فكتب إلى سفيان بن معاوية - وهو أمير البصرة - فقتله . وروى أبو بكر الصولي : أن الربيع الحاجب قال : لما قرأ المنصور الإيمان الَّذي كتبه ابن المقفع قال : من كتب هذا ؟ فقيل : رجل يقال له عبد الله بن المقفع يكتب 27 / ألعمّيك سليمان / وعيسى ابني علي بالبصرة ، فكتب إلى عامله بالبصرة : لا يفلتنك ابن المقفع حتى تقتله . فاستأذن يوما عليه مع وجوه أهل البصرة ، فأخّر سفيان إذنه وأذن لمن كان معه قبله ، ثم أذن له ، فلما صار في الدهليز عدل به [ 3 ] إلى حجرة ، فقتل فيها ،

--> [ 1 ] في الأصل : « فمن حقهم » . [ 2 ] في ت : « فلمحة » وما أثبتناه من الأصل . [ 3 ] « به » ساقطة من ت ، وأثبتناها من الأصل .