ابن الجوزي

341

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

929 - أبو عبد الله الحربي الزاهد . أخبرنا محمد بن ناصر قال : أخبرنا أبو علي حسن بن أحمد قال : حدّثنا 153 / ب عبد الغفار بن محمد المؤدب قال : حدّثنا عمر بن أحمد الواعظ قال : حدّثني علي بن الحسن بن دليل قال : حدّثنا محمد بن أحمد المقدمي قال : حدّثنا علي بن عبد العزيز قال : حدّثنا إبراهيم بن عبد الله الجروي قال : حدّثنا إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال : كنا نتجالس في الجمعة فأتى رجل عليه ثوب واحد ملتحف به ، فجلس إلينا ، فألقى مسألة ، فما زلنا نتكلم في الفقه حتى انصرفنا ، ثم جاءنا في الجمعة المقبلة ، فأجبناه وسألناه عن منزله ، قال : أنزل الخريبة ، فسألنا عن كنيته ، فقال أبو عبد الله : فرغبنا في مجالسته ورأينا مجلسنا مجلس فقه ، فمكثنا بذلك زمانا ، ثم انقطع عنا ، فقال بعضنا لبعض ، ما حالنا وقد كان مجلسنا عامرا بأبي عبد الله ، وقد صار يوحشنا فوعد بعضنا بعضا إذا أصبحنا أن نأتي الخريبة فنسأل عنه ، فأتيناه الخريبة وكنا عددا ، فجعلنا نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله ، فنظرنا إلى صبيان قد انصرفوا من الكتاب فقلنا : أبو عبد الله ، فقالوا : لعلهم يعنون الصياد ، قلنا : نعم ، قالوا : هذا وقته الآن يجيء ، فقعدنا ننتظره ، فإذا هو قد أقبل مؤتزرا بخرقة ، على كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء ، فلما رآنا تبسم إلينا وقال : ما جاء بكم ؟ فقلنا : فقدناك ، وقد كنت عمرت مجلسنا ، فما غيبك عنا ؟ قال : أصدقكم ، كان لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذلك الثوب الَّذي كنت آتيكم فيه ، وكان غريبا ، فخرج إلى وطنه ، فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه ، هل لكم أن تدخلوا المنزل فتأكلوا مما رزق الله عز وجل ؟ فقال بعضنا لبعض : ادخلوا منزله ، فجاء إلى الباب فسلم ثم صلى قليلا ثم دخل ، فأذن لنا فدخلنا ، فإذا هو قد أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا ، فدخل إلى المرأة ، فسلم إليها الأطيار المذبحة ، وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال : أنا آتيكم إن شاء الله عن قريب ، فأتى السوق فباعها واشترى لنا خبزا ، فجاء وقد صنعت المرأة ذلك الطير وهيئته ، فقدم إلينا خبزا ولحم الطير ، فأكلنا ، فجعل يقوم فيأتينا بالملح والماء ، فكلما قام قال بعضنا لبعض : رأيتم مثل هذا ؟ ألا تغيرون وأنتم سادة أهل البصرة ؟ ! فقال أحدهم : عليّ خمسمائة ، وقال الآخر : على ثلاثمائة ، وقال هذا وقال هذا ، ضمن بعضهم أن يأخذ له من غيره ، فبلغ الَّذي جمع له في الحساب خمسة آلاف درهم ، فقالوا : قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا المال ونسأله أن يغير ما هو فيه ، فقمنا فانصرفنا على حالنا ركبانا ، فمررنا بالمربد ، وإذا بمحمد بن سليمان أمير البصرة قاعد في منظره