ابن الجوزي
189
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
مر بنا حمزة بن حبيب فاستسقى فأتيته بماء ، فقال : أنت ممن يحضرنا في القراءة ؟ قلت : نعم ، قال : لا حاجة لي في مائك . أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أخبرنا أبو الحسن بن عبد الجبار ، قال : أخبرنا أبو الوليد عتبة بن عبد الملك العثماني ، قال : حدّثنا أبو الطيب عبد المنعم بن عبد الله بن غلبون المقرئ ، قال : حدّثنا أبو بكر محمد بن نصر بن هارون السامري ، قال : أخبرنا سليمان بن جبلة ، قال : أخبرنا / إدريس بن عبد الكريم الحداد ، قال : أخبرنا خلف بن 86 / أهشام البزاز ، قال : قال لي سليم بن عيسى [ 1 ] : دخلت على حمزة بن حبيب الزيات فوجدته يمرغ خديه في الأرض ويبكي ، فقلت : أعيذك باللَّه ، فقال : رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت ، وقد دعي بقراء القرآن ، فكنت فيمن حضر ، فسمعت قائلا يقول بكلام عذب : لا يدخل عليّ إلا من عمل بالقرآن ، فرجعت القهقرى ، فهتف باسمي : أين حمزة بن حبيب الزيات ؟ فقلت : لبيك داعي الله ، فبدرني ملك فقال قل : لبيك اللَّهمّ لبيك ، فقلت كما قال لي ، فأدخلني دارا فيها ضجيج القرآن ، فوقفت أرعد ، فسمعت قائلا يقول : لا بأس عليك اقرأ وارق ، فأدرت وجهي فإذا أنا بمنبر من در أبيض دفتاه من ياقوت أصفر ، مراقيه من زبرجد أخضر ، فقال لي : اقرأ سورة الأنعام . فقرأت وأنا لا أدري على من أقرأ حتى بلغت الستين آية ، فلما بلغت : * ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِه ِ 6 : 18 ) * [ 2 ] قال لي : يا حمزة ، ألست القاهر فوق عبادي ؟ فقلت : بلى ، قال : صدقت ، أقرأ ، فقرأت حتى أتممتها ، فقال لي : اقرأ ، فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها وأومأت إلى الأرض بالسجود ، فقال لي : حسبك ما مضى ، لا تسجد يا حمزة ، من أقرأك هذه القراءة ؟ فقلت : سليمان ، فقال : صدقت ، من أقرأ سليمان ؟ قلت : يحيى ، قال : صدق يحيى ، على من قرأ يحيى ؟ فقلت : على أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : صدق أبو عبد الرحمن السلمي ، من أقرأ أبا عبد الرحمن ؟ فقلت : ابن عم نبيك عليّ ، فقال : صدق عليّ ، فمن أقرأ عليا ؟ قلت : نبيك محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال : ومن أقرأ نبيي ؟ قال : قلت : جبريل عليه السلام ، قال : ومن أقرأ جبريل ؟ فسكت ، فقال لي : يا حمزة ، قل أنت ، فقلت : ما أجسر أن أقول أنت ، فقال :
--> [ 1 ] الخبر في تهذيب الكمال 7 / 318 . [ 2 ] سورة : الأنعام ، الآية : 61 .