ابن الجوزي
14
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
8 / أالمؤمنين ، جنده جندك ، أمرتهم بطاعته / فأطاعوه . فدعا أبا إسحاق وقال : أنت المبايع لعدو الله أبي مسلم على ما كان يفعل . فجعل يلتفت يمينا وشمالا تخوفا من أبي مسلم . فقال له المنصور : تكلم بما أردت ، فقد قتل الله الفاسق . وأمر بإخراجه إليه مقطعا ، فخرّ أبو إسحاق ساجدا ، فأطال السجود وقال : الحمد للَّه ، والله [ 1 ] ما أمنته يوما واحدا ، وما جئته يوما إلا وقد أوصيت وتكفّنت وتحنّطت . فقال : استقبل طاعة خليفتك ، واحمد الله الَّذي أراحك من الفاسق ، ثم دعا مالك بن الهيثم فكلَّمه بمثل ذلك ، فاعتذر إليه بأنه أمره بطاعته ، ثم أمرهم بتفريق جند أبي مسلم . وبعث إلى عدة من قواد أبي مسلم بجوائز سنيّة ، وأعطى جميع جنوده حتى رضوا [ 2 ] . وكان أبو مسلم قد خلف أصحابه بحلوان وقدم المدائن في ثلاثة آلاف ، وخلف أبا نصر على ثقله وقال : أقم حتى يأتيك كتابي ، قال : فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك . قال : إن أتاك كتابي مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته ، وإن أتاك بخاتم كله فلم أكتبه . فلما قتل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلَّف عنده ، وأن يقدم . وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم ، فلما رأى أبو نصر نقش الخاتم تامّا علم أن أبا مسلم لم يكتبه ، فقال : أفعلتموها ، وانحدر إلى همدان وهو يريد خراسان ، فكتب أبو جعفر إلى أبي نصر بعهده على شهرزور ، فلما مضى العهد جاءه الخبر أنه قد توجّه إلى خراسان ، فكتب أبو جعفر إلى عامله بهمدان : إن مرّ بك أبو نصر فاحبسه . فأخذه فحبسه ، فقدم صاحب [ الكتاب ] [ 3 ] بالعهد لأبي نصر فخلَّى سبيله ، ثم قدم كتاب آخر بعده بيومين يقول فيه : إن كنت أخذت أبا نصر فأقتله . فقال : جاءني كتاب عهده فخلَّيت سبيله [ 4 ] . وقدم أبو نصر على أبي جعفر فقال له : أشرت على أبي مسلم بالمضي إلى
--> [ 1 ] في الأصل : « والَّذي ما أمنته » وما أثبتناه من ت . [ 2 ] انظر تاريخ الطبري 7 / 492 - 493 . [ 3 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل وما أثبتناه من ت . [ 4 ] انظر : تاريخ الطبري 7 / 494 .