ابن الجوزي

65

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

أن يجعل هذا الأمر شورى في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فاقتتلوا ، فقتل ابن شميط ، وانهزم أصحابه . وبلغ الخبر إلى المختار ، فقال : ما من موتة أموتها أحب إليّ من موتة ابن شميط ، وساروا فالتقوا وقد جعل مصعب على ميمنته المهلب بن أبي صفرة ، وعلى ميسرته عمر بن عبيد بن معمر التيمي [ 1 ] ، وعلى الخيل عباد بن الحصين ، وعلى الرجالة مقاتل بن مسمع البكري ، ونزل هو يمشي متنكبا قوسا ، وتزاحف الناس ودنا بعضهم إلى بعض ، فبعث المختار إلى عبد الله بن جعدة : أن أحمل على من يليك ، فحمل فكشفهم حتى انتهوا إلى مصعب ، فجثى على ركبتيه ، ولم يكن فرارا ، ورمى بأسهمه ، ونزل الناس عنده فقاتلوا ساعة ثم تحاجزوا ، وحمل المهلب فحطم أصحاب المختار حطمة منكرة فكشفهم وقتل محمد بن الأشعث وعامة أصحابه ، وتفرق أصحاب المختار ، وجاء هو حتى دخل قصر الكوفة فحصر هو وأصحابه ، فكانوا لا يقدرون على الطعام والشراب إلا بحيلة ، وكان يخرج هو وأصحابه فيقاتلون قتالا ضعيفا ، وكانت لا تخرج له خيل إلا رميت بالحجارة من فوق البيوت ، وصب عليهم الماء القذر ، وصار المختار وأصحابه يشربون من البئر فيصبون عليه العسل ليتغير طعمه . ثم أمر مصعب أصحابه فاقتربوا من القصر ثم دخلوه ، فقال المختار لأصحابه : ويحكم ، إن الحصار لا يزيدكم إلا ضعفا ، فانزلوا بنا نقاتل لنقتل كراما ، والله ما أنا بآيس إن صدقتموهم أن ينصركم الله . فتوقفوا عن قبول قوله فقال : أما أنا فوالله لا أعطي بيدي . ثم أرسل إلى امرأته أم ثابت بنت سمرة بن جندب ، فأرسلت إليه بطيب كثير ، فاغتسل وتحنط ووضع ذلك الطيب على رأسه ولحيته ، ثم خرج في تسعة عشر رجلا ، فقال لهم : أتؤمنونني وأخرج إليكم ؟ فقالوا : لا إلا على الحكم ، فقال : لا أحكمكم في نفسي أبدا ، فضارب بسيفه حتى قتل ، ونزل أصحابه على الحكم فقتلوا ، وأمر مصعب بكف المختار فقطعت ثم سمّرت بمسمار حديد إلى جنب حائط المسجد ، ولم يزل

--> [ 1 ] في ت : « ابن معمر التيمي » ، وما أوردناه من الأصل والطبري .