ابن الجوزي
125
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
/ قال : فجاءت صاعقة فأحرقتهم ، فامتنع الناس من الرمي فخطبهم الحجاج فقال : ألم تعلموا أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قربانا فجاءت نار فأكلته [ 1 ] علموا أنه قد تقبل منهم ، وإن لم تأكله [ 2 ] قالوا لم تقبل ، فما زال يخدعهم حتى عادوا فرموا . قال علماء السير [ 3 ] : فلم تزل الحرب إلى قبيل مقتل ابن الزبير ، فتفرق عامة أصحابه وخذلوه ، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان حتى ذكر [ أن ] [ 4 ] ولديه حمزة وحبيب أخذوا لأنفسهما أمانا ، فدخل عبد الله بن الزبير على أمه أسماء حين رأى من الناس ما رأى من الخذلان ، فقال لها : خذلتني الناس حتى ولدي وأهلي ، فلم يبق معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : أنت والله يا بني أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له ، وقد قتل عليك أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك فينقلب [ 5 ] بها غلمان بني أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك . وإن قلت : كنت على الحق فلما وهن أصحابك ضعفت ، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل الدين ، وكم خلودك في الدنيا ! القتل [ القتل ] أحسن . فدنا ابن الزبير فقبل رأسها وقال : هذا والله رأيي ، والَّذي قمت به ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للَّه عز وجل أن تستحل حرمته ، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك في مثل ذلك ، فانظري يا أمي فإنّي مقتول في يومي [ 6 ] هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمي الأمر للَّه ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عمدا بفاحشة ، ولم يجر في حكم الله عز وجل ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا
--> [ 1 ] في الأصل : « فأكلتها » ، وما أوردناه من ت . [ 2 ] في الأصل : « تأكلها » ، وما أوردناه من ت . [ 3 ] تاريخ الطبري 6 / 188 . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أضفناها لاستقامة المعنى . [ 5 ] في ت ، والطبري . « فيتلعب » . [ 6 ] في الطبري : « مقتول من يومي هذا » .