ابن الجوزي
126
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ربي عز وجل ، اللَّهمّ إني لا أقول هذا تزكية [ مني لنفسي ] ، أنت أعلم / بي ، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عنّي . فقالت : إني لأرجو من الله عز وجل [ 1 ] أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني ، أخرج حتى انظر ما يصير أمرك ، فقال : جزاك الله يا أماه خيرا ، ولا تدعي الدعاء لي قبل وبعد . فقالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . ثم قالت : اللَّهمّ ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب في الظلماء [ 2 ] ، وذلك الصوم في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبي ، اللَّهمّ إني قد أسلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين . وفي رواية أخرى : أنه دخل عليها وعليه الدرع والمغفر ، فوقف فسلم ثم دنا فتناول يدها فقبلها ، فقالت : هذا وداع فلا تقعد [ 3 ] ، فقال : جئت مودعا ، إني لأرى هذا آخر أيامي من الدنيا ، واعلمي يا أماه أني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضرني ما صنع بي ، قالت : صدقت يا بني ، أتمم على نصرتك ، ولا تمكن ابن أبي عقيل منك ، ادن مني أودعك . فدنا منها فودعها وقبلها وعانقها ، وقالت حيث مسّت الدرع : ما [ هذا ] [ 4 ] صنيع من يريد ما تريد ، قال : ما لبست [ هذا ] [ 5 ] الدرع [ 6 ] إلا لأشد منك ، قالت : فإنه لا يشد مني . ثم انصرف وهو يقول : إنّي إذا أعرف يومي أصبر إذ بعضهم يعرف ثم ينكر ثم إن القوم أقاموا على كل باب رجالا وقائدا ، فشحنت الأبواب بأهل الشام ، وكان لأهل حمص الباب الَّذي يواجه باب الكعبة ، ولأهل دمشق باب بني شيبة ، ولأهل الأردن باب الصفا ، ولأهل فلسطين باب بني جمح ، ولأهل قنسرين باب بني سهم ،
--> [ 1 ] في الأصل : « من عند الله عز وجل » وما أوردناه من ت ، والطبري . [ 2 ] في الطبري : « النحيب في الظمأ » . [ 3 ] في ت . والطبري . « تبعد » . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من الطبري . [ 5 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من الطبري . [ 6 ] « ما هذا صنيع من يريد ما تريد ، قال : ما لبست هذا الدرع » ساقط من ت .