ابن الجوزي
79
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أخرج وإن يقعدوا أقعد ، فرجع عبد الله إلى أهل المدينة وهم يقولون : لا والله ما ندري كيف نصنع ، فإن هذا الأمر لمشتبه علينا ، ونحن مقيمون حتى يضيء لنا ويسفر . فخرج من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم بنت عليّ بالذي سمع من أهل المدينة ، وأنه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ ما خلا النهوض ، وكان صدوقا فاستقر ذلك عندها ، وأصبح عليّ رضي الله عنه فقيل له : البارحة حدث حدث وهو أشد عليك من طلحة والزبير وأم المؤمنين ومعاوية ، قال : وما ذلك ؟ فقال : خرج ابن عمر إلى الشام فأتى على السوق ، ودعا بالظهر فحمل الرّجال وأعدّ لكل طريق طلَّابا . وماج أهل المدينة ، وسمعت أم كلثوم بالذي هو فيه ، فأتت عليّا فقالت : ما لك لا تزنّد [ 1 ] من هذا الرجل ؟ وحدثته [ 2 ] حديثه وقالت : أنا ضامنة له ، / فطابت نفسه وقال : انصرفوا ، إنه عندي ثقة . 29 / ب [ فانصرفوا ] [ 3 ] ، . وكانت عائشة [ 4 ] مقيمة بالمدينة تريد عمرة المحرم ، فلما قضت عمرتها وخرجت سمعت بما جرى فانصرفت إلى مكة وهي لا تقول شيئا ، فنزلت على باب المسجد وقصدت الحجر فسترت فيه ، واجتمع الناس إليها ، فقالت : إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول بالأمس ، فبادروا بالعدوان فسفكوا الدم الحرام ، واستحلوا البلد الحرام ، وأخذوا المال الحرام ، فاجتماعكم عليهم ينكل بهم غيرهم ، ويشرد بهم من بعدهم ، فقال عبد الله بن عامر الحضرميّ : ها أنا لها أول طالب ، فكان أول منتدب . وحدّثنا سيف [ 5 ] ، عن عمرو بن محمد ، عن الشعبي ، قال : خرجت عائشة نحو المدينة من مكة بعد مقتل عثمان ، فلقيها رجل من أخوالها ، فقالت : ما وراءك ؟ قال : قتل عثمان واجتمع الناس على عليّ رضي الله عنه ، والأمر أمر الغوغاء . قالت : ما أظن
--> [ 1 ] في الأصول : « مالك ما تزند » . تزند : يقال : تزند فلان إذا ضاق صدره ، ورجل مزند ، أي : سريع الغضب . [ 2 ] في الطبري : « إن الأمر على خلاف ما بلَّغته وحدّثته » . [ 3 ] إلى هنا الخبر في الطبري 4 / 447 . وما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، وأوردناه من الطبري . [ 4 ] تاريخ الطبري 4 / 448 . [ 5 ] الخبر في تاريخ الطبري 4 / 449 .