ابن الجوزي
28
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قريش ، فوالله إني لفي الأراك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب ، فقلت : يا أبا حنظلة ، قال : لبيك أبا الفضل ، وعرف صوتي ، فقال : ما لك فداك أبي وأمي ، قلت : ويلك هذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في عشرة آلاف ، فقال : بأبي وأمي ما تأمرني ، هل من حيلة ؟ قلت : نعم ، تركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فإنه إن ظفر بك دونه قتلت ، قال : وأنا والله أرى ذلك . ثم ركب خلفي وتوجهت به إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فرآه عمر بن الخطاب فعرفه وأراد قتله وقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان آخذ بلا عهد ولا عقد ، قال : فقلت : إني قد أجرته ، وجرى بين العباس وعمر 8 / ب في ذلك الكلام ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن / تعلم أن لا إله إلا الله » قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك ، قد كان يقع في نفسي أنه لو كان مع الله إله لقد أغنى عني شيئا ، قال : « يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ » قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك ، أما هذا فوالله إن في نفسي منها أشياء بعد ، فقال العباس : ويحك اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تقتل . قال : فشهد شهادة الحق وقال : اشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله [ 1 ] . فقال العباس : يا نبي الله إنك قد عرفت أبا سفيان وحبه للشرف والفخر فاجعل له شيئا ، قال : « نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق داره فهو آمن » . قال محمد بن سعد : وأخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي ، قال : حدّثنا جعفر بن سليمان ، قال : حدّثنا ثابت البناني ، قال : إنما قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » ، لأن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا أوذي وهو بمكة فدخل دار أبي سفيان أمن ، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يوم فتح مكة : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » . قال ابن سعد : وأخبرنا محمد بن عبيد ، قال : أخبرنا إسماعيل بن [ أبي ] خالد ، عن أبي إسحاق السبيعي : ان أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا ، فقال في نفسه : لو جمعت
--> [ 1 ] في الأصل : « وأن محمدا لرسوله » .