ابن الجوزي
197
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال : مرحبا بصديقي ، أهديت لي من بلادك شيئا ؟ قلت : نعم أيها الملك ، أهديت لك أدما كثيرا ، ثم قربته إليه فأعجبه ، وفرق منه أشياء بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، فلما رأيت طيبة نفسه قلت : أيها الملك ، إني رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل هو عدونا ، وقد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله ، فغضب ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره ، وابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي وأصابني من الذل ما لو شقت الأرض دخلت فيها فرقا منه ، فقلت له : أيها الملك ، لو ظننت أنك / تكره ما قلت 80 / ب ما سألتك إياه . قال : فاستحيا وقال : يا عمرو ، تسألني أن أعطيك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، من يأتيه الناموس الأكبر الَّذي كان يأتي موسى ، والَّذي كان يأتي عيسى أعطيكه لتقتله ؟ قال عمرو : وغير الله قلبي عما كنت عليه وقلت في نفسي : عرف هذا الحق العرب والعجم وتخالف أنت ، قلت : وتشهد أيها الملك بهذا ؟ قال : نعم أشهد به عند الله يا عمرو فأطعه واتبعه ، والله إنه لعلى الحق ، وليظهرن على كل من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده ، قلت : أفتبايعني له على الإسلام ، قال : نعم ، فبسط يده فبايعته على الإسلام ، ودعي لي بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد امتلأت من الدم فألقيتها ثم خرجت إلى أصحابي ، فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك ، وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت : أعود إليه ، قالوا : الرأي ما رأيت ، وفارقتهم وكأني أعمد لحاجة ، فعمدت إلى موضع السفن فوجدت سفينة قد شحنت تدفع ، فركبت معهم ودفعوها من ساعتهم حتى انتهوا إلى الشعبية ، فخرجت بها ومعي نفقة واتبعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى أتيت على مر الظهران ، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهدة إذا رجلان قد سبقا في بعير كبير يريدان منزلا وأحدهما داخل في خيمة والآخر قائم يمسك الراحلتين ، فنظرت فإذا خالد بن الوليد ، فقلت : أبا سليمان ، قال : نعم ، قلت : أين تريد ؟ قال : محمدا ، دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم ، والله لو أقمنا لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها ، قلت : والله وأنا قد أردت محمدا وأردت الإسلام . وخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم ترافقنا حتى قدمنا المدينة ، فما أنسى قول رجل لقينا ببئر أبي عتبة يصيح : يا رباح يا رباح ، فتفاءلنا بقوله