ابن الجوزي

194

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

يزالوا مقيمين بالريّ حتى بلغهم قتل عليّ رضي الله عنه ، فدعا أصحابه أولئك وكانوا تسعة عشر رجلا ، فأتوه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الإخوان من المسلمين ، إنه قد بلغني أن أخاكم ابن ملجم قعد لعلي عند أغباش [ 1 ] الصبح ، فشد عليه فقتله ، فأخذ القوم يحمدون الله على قتله ، فقال حيان : إنه والله ما تلبث الأيام لابن آدم حتى تذيقه الموت ، فيدع الدنيا التي لا يبكي عليها إلا الفجرة [ 2 ] ، فانصرفوا رحمكم الله إلى مصرنا 79 / أفلنأت / إخواننا فلندعهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه لا عذر لنا في القعود ، وولاتنا ظلمة ، وسنة الهدى متروكة ، فإن ظفرنا الله بهم يشفي صدور قوم مؤمنين ، وإن نقتل فهي مفارقة الظالمين ففيها راحة ، ولنا في أسلافنا الصالحين أسوة . فقالوا : كلنا قابل منك ما ذكرت [ 3 ] ، وحامد رأيك ، فرد بنا المصر فإنا راضون بهداك . فخرج وخرجوا معه مقبلين إلى الكوفة ، فأحب العافية ، [ وأحسن في الناس السيرة ] [ 4 ] ، ولم يفتش على أهل الأهواء عن أهوائهم ، وكان يقال له : إن فلانا يرى رأي الشيعة ، وفلانا يرى رأي الخوارج ، فيقول : [ قضى الله ] [ 5 ] ألا تزالون مختلفين ، وسيحكم الله بين عباده ، فأمنه الناس ، وكانت الخوارج يلقي بعضهم بعضا ، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ، ويرون في جهاد أهل القبلة . ففزعوا إلى ثلاثة نفر المستورد بن علَّفة التيمي [ 6 ] ، وحيان بن ظبيان ، ومعاذ بن حصن الطائي [ 7 ] ، فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان ، فتشاوروا فيمن يولون عليهم ، فقال لهم المستورد : أيها المؤمنون ، ما أبالي من كان منكم الوالي ، وما شرف الدنيا نريد ، وما إلى البقاء فيها من سبيل ، فقال حيان : أما أنا فلا حاجة لي فيها ، وأنا بك ، وبكل امرئ من إخواني راض ، فانظروا من شئتم منكم فسموه ، فأنا أول من يتابعه .

--> [ 1 ] الأغباش : جمع غبش ، وهو بقية الظلمة يخالطهما بياض الفجر . [ 2 ] في الطبري : « لا يبكي عليها إلا العجزة » . [ 3 ] في الطبري : « كلنا قائل ما ذكرت » . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من الطبري . [ 5 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصول ، أوردناه من الطبري . [ 6 ] في الأصل : « المستورد بن علقمة » . [ 7 ] في الطبري : « معاذ بن جوين بن حصين الطائي » .