ابن الجوزي
153
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الحضرميّ ، فإن فرق جمعه فهو ما نريد ، وإن ترقّت إليهم الأمور فانهض إليهم وجاهدهم ، وإن رأيت ممن قبلك تثاقلا ، فدارهم وطاولهم ، وكأنك بجنود الله قد أظلتك . فقدم أعين فأتى زيادا فنزل عنده ، ثم أتى قومه فجمع رجالا ونهض إلى ابن الحضرميّ ، فدعاهم فشتموه وناوشوه وانصرف عنهم ، فدخل عليه قوم فقتلوه ، فلما قتل أعين ، أراد زياد قتالهم ، فأرسل بنو تميم إلى الأزد : إنا لم نعرض لجاركم ولا لأحد من أصحابه ، فما ذا تريدون من جارنا ، وكرهت الأزد القتال ، وقالوا : إن عرضوا لجارنا منعناه ، وإن كفوا عنا كففنا عن جارهم ، فأمسكوا . وكتب زياد إلى عليّ بقتل أعين ، وأخبره أنه لم يخفّ معه ممن تقوى به على قتالهم ، فكتب إليه عليّ يصوّب رأيه ، وبعث إليه حارثة بن قدامة في خمسين من بني تميم ، وشريك بن الأعور في خمسمائة ، فقدم حارثة البصرة ، فقال له زياد : احذر أن يصيبك ما أصاب صاحبك فسار حارثة إلى قومه فقرأ عليهم كتاب عليّ رضي الله عنه ، فأجابه أكثرهم ، فسار إلى ابن الحضرميّ فحصره في داره ثم أحرق عليه الدار وعلى من معه ، وكانوا سبعين رجلا ، وقيل : أربعين ، وتفرق الناس ، ورجع زياد إلى دار الإمارة . وكان من الحوادث في هذه السنة إظهار الخرّيت [ 1 ] بن راشد في بني ناجية الخلاف على عليّ رضي الله عنه [ 2 ] . وذلك أنه كان مع الخريت من بني ناجية ثلاثمائة ، وكانوا قدموا على عليّ من البصرة ، فأقاموا معه بالكوفة ، وخرجوا إليه يوم الجمل ، وشهدوا معه صفين ، فلما حكم عليّ جاءه الخريت فقال : والله يا عليّ لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك ، وإني لمفارق لك . فقال عليّ : ثكلتك أمك ، إذا تعصي ربك ، وتنكث عهدك ، ولا تضر إلا نفسك ، لم تفعل ذلك ؟ قال : لأنك حكمت في الكتاب ، / وضعفت عن الحق . ثم أنه فارقه 62 / ب وخرج بأصحابه ، فقال زياد بن حفصة : يا أمير المؤمنين ، إنا نخاف أن يفسد علينا جماعة كبيرة فأذن لي في اتباعهم أردهم عليك إن شاء الله ، قال : فأخرج في آثارهم
--> [ 1 ] في الأصل : « الحريث » . [ 2 ] تاريخ الطبري 5 / 113 ، وشرح نهج البلاغة لابن أبي حديد 3 / 128 - 148 .