ابن الجوزي

191

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

مثقال ، فلزمه الطمع وقال : لقد [ 1 ] غير الدهر طبع هذه الحية ولا أحسب سمها إلا قد تغير ، فجعل يتعاهد حجرها بالكنس والبخور ورش الماء ، وعمد إلى ما كان عنده من الذهب فعمل منه حقا فجعل فيه ذلك الدرر وجعل الحق تحت رأسه ، فبينما هو ذات ليلة نائم ذهبت إليه فنهشته ، فجعل يستغيث بصوت عال ، فأقبل عليه أهله وجيرانه يلومونه ، فأخرج إليهم الحق وأراهم ما فيه ، فقالوا : ما أقل غنا هذا عنك اليوم ، فهلك ، فقالوا : أبعده الله ، هو قتل نفسه . قال : ولقد عجبت لأهل العقول يعرفون الأمر الَّذي ضربنا له هذه الأمثال ولا ينتفعون بالمعرفة [ 2 ] ، ويل لهم لو قد أصابهم ما أصاب صاحب الكرم ، قالوا : وكيف كان ذلك ؟ قال : زعموا أنه كان رجل له كرم واسع كثير العنب ، متصل الشجر ، فاستأجر لكشح الكرم وقطفه ثلاثة ، ووكل كل رجل بناحية ، وقال : كلوا من العنب ما شئتم وكفوا عن هذه الثمار . فأخذ أحدهم على حفظ ما أمر به وقبع يأكل العنب وحده ، وفعل الآخر مثل ذلك حينا ثم تاقت نفسه إلى الثمار فتناولها ، وأقبل الثالث على أكل الثمار وترك العمل ففسدت ناحيته ، فقدم صاحب الكرم ، فحمد الأول وأعطاه فوق أجره ، وعاقب الثاني بقدر ذنبه ، وبالغ في عقوبة الثالث . فهكذا أعمالكم في الآخرة يوم تجزى كل نفس ما عملت . قال : ولقد عجبت لأهل الأمل وطمعهم في طول العمر ، ووجدت أعدى الناس الأولاد ، استكثر الآباء لهم وأتعبوا أنفسهم في إصلاح معايشهم بهلاك أنفسهم كصاحب السفينة ، قالوا : كيف كان ذلك ؟ قال : زعموا أنه كان رجل نجار يعمل بيده فيصيب كل يوم درهما ، ينفق نصفه على أب له شيخ كبير وامرأة له وابن وبنت ، ويدخر لنفسه نصفه ، فعمل زمانا وعاش بخير ، فنظر يوما فإذا هو قد استفضل / مائة دينار ، فقال : لو عملت سفينة واشتغلت بتجارة البحر رجوت أن أتمول ، فقال له أبوه : لا تفعل ، فإن رجلا من المنجمين أخبرني

--> [ 1 ] تكررت لفظة : « لقد » . [ 2 ] في الأصل : « بها » وما أوردناه من ت .