ابن الجوزي
192
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
أيام ولدت أنك تموت غريقا ، قال : فما أخبرك أني أصيب مالا ؟ قال : بلى لذلك نهيتك عن التجارة والتمست لك عملا تعيش فيه يوما بيوم ، قال : أتجر ، وإن عشت عشت بخير ، وإن مت تركت أولادي بخير ، قال : يا ولدي لا يكونن ولدك آثر عندك من نفسك . فعمل سفينة وركب فيها بتجارة فغاب سنة ، ثم قدم بمائة قنطار ذهبا ، فحمد الله والده وقال : يا بني ، إني كنت نذرت للَّه تعالى إن ردك سالما أن أحرق السفينة ، قال : لقد أردت هلاكي ، قال : إنما أردت حياتك ، فاقبل على الشكر فقد أصبت غنى الدهر ، فلم يقبل ، وخرج فغاب سنة وبعض أخرى ، فقدم بأضعاف ما قدم به أو لمرة ، فقال لأبيه : لو كنت أطعتك لم أصب هذا المال ، قال : يا بني إنما أراك تعمل لغيرك وسيجرعك ما ترى غصة فتتمنى لو كان بينك وبين هذه البلدة جبال المشرق ، قال : يا أبت أرجو أن يكون المنجم أصاب في الغنى وأخطأ في الغرق . ثم صنع سفينة أخرى ، فبكى أبوه ، فرق لذلك وقال : يا أبت ، والله لئن ردني الله سالما لا ركبت بحرا ما عشت ، قال : يا بني ، اليوم أيقنت تفقدك . فمضى ، فلما توسط البحر أصابه موج فضربت إحدى سفينته الأخرى فانصدعتا فغرقتا ، فجعل يتأسف على عصيان أبيه وهلك ومن معه ، فبلغ الخبر أباه فكمد حتى هلك ، وقسم الميراث على امرأة التاجر وابنه وابنته ، فتزوجوا وصار ذلك المال إلى أزواجهن ، فكل ما يجمع الأشقياء إلى ذلك يصير . ولقد عجبت للمؤثر على نفسه المؤثر غيره ، ويحك ما تبلغ بالكفاف لا تؤثر غيرك فتلقى ما لقي صاحب الحوت ، قالوا : ما لقي ؟ قال : زعموا أن صياد سمك أصاب / في صيده حوتا عظيما ، فقال : ما أحد أحق بأكله مني ، ثم بدا له فأهداه إلى جاره ، فأهداه الجار إلى مقعد مسكين ، فجعل الصياد يندم ويقول : حرمته نفسي وصار إلى أعدى الناس لي . ولقد عجبت لهذا الشغل الَّذي غرّ العقلاء والجهال حتى هلكوا جميعا بالرجاء والطمع كما هلك اليهودي والنصراني ، قالوا : وكيف كان ذلك ؟ قال : اصطحب يهودي ونصراني إلى أرض فصارا في عمران ومياه إلى أن انتهيا إلى بئر وراءها مفازة مسيرتها أربعة أيام ، ومع كل واحد منهما قربته ، فملأ اليهودي قربته وأراد النصراني أن يملأ قربته ، فقال له اليهودي : تكفينا قربتنا هذه ولا ننقل دوابنا ، فقال النصراني : أنا أعلم بالطريق ، فقال اليهودي : تريد إلا أن تشرب الماء كلما عطشت ؟ قال : نعم ، فترك