ابن الجوزي

190

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

قالوا : ما اللذات ؟ قال : المال ، والبنون ، والأزواج ، والسلطان [ 1 ] ، فقطعتهن بالهموم والأحزان والخوف وذكر الموت . وقطعت ذلك أجمع بالعزلة ، وأي خير في لذة والموت يعقبها ، كونوا كرجل خرج مسافرا فغشي مدينته العدو فأصابوا أهلها ، فحمد الله على ما صرف / عنه [ 2 ] ، [ ولقد عجبت كيف ينتفعون بلذتها مع همومها وأحزانها وما تجرعهم ] [ 3 ] من مرارتها بعد حلاوتها ، واشتد عجبي من أهل العقول ، كأنهم يريدون أن يهلكوا كما هلك صاحب الحية ، قالوا : أخبرنا كيف كان أمر صاحب الحية ؟ قال : زعموا أن رجلا كان في داره حية قد عرفوه مكانها ، وكانت تلك الحية تبيض كل يوم بيضة من ذهب ، فخرجت يوما فنهشت عنزا لهم حلوبا فهلكت ، فجزع الرجل وأهله ، وقالوا : الَّذي نصيب من الحية أفضل من ثمن العنز ، فلما كان رأس الحول غدت على خمار فنهشته فقتلته ، فجزع الرجل وقال : سنصبر على هذه الآفات ما لم تعد البهائم . ثم مر عامان لا تؤذيهم وهم مسرورون بجوارها إذ عدت على عبد الرجل فنهشته فهلك ، فجزع وقال : ما آمن أن يلسع بعض أهلي فمكث حزينا خائفا وقال : أرى سم هذه الحية في مالي وأنا أصيب منها أفضل مما رأيت . فلم يلبث إلا يسيرا حتى نهشت ابن الرجل ، فارتاع ودعا بالدرياق وغيره فلم يغن عنه ، وهلك الغلام ، فاشتد جزع والديه ونسيا كل لذة أصاباها وقالا : لا خير لنا في جوار هذه الحية ، والرأي قتلها . فلما سمعت الحية ذلك تغيبت عنهم أياما لا يرونها ولا يصيبون من بيضها ، فلما طال ذلك عليهما تاقت أنفسهما إلى ما كانا يصيبان منها ، فأقبلا على حجرها وجعلا يقولان : ارجعي ولا تضرينا ولا نضرك ، فرجعت فمكثت عامين لا ينكرون منها شيئا ، ثم دنت إلى امرأة الرجل فنهشتها ، فصاحت ، فثار زوجها يعالجها بالدرياق فلم يغن عنها ، وهلكت المرأة ، فبقي الرجل كئيبا ، وأظهر أمر الحية لإخوانه وأهل وده ، فأشاروا عليه بقتلها ، وقالوا : لقد فرطت في أمرها حين تبين لك غدرها ، ولقد كنت مخاطرا بنفسك ، فعزم على قتلها . فبينا هو يراصدها [ اطلع في ] [ 4 ] حجرها ، فرأى فيه درة / صافية وزنها

--> [ 1 ] « بخصال أربع . . . والسلطان » : سقطت من ت . [ 2 ] في الأصل : « عنهم » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت .