ابن الجوزي
189
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
تؤملون ، ويصيعون العمل حتى نزل بهم من العقوبة ما بلغكم يوشك من سلك المفازة بغير ماء أن يهلك عطشا ، أراكم تتكلون [ 1 ] على الرجاء في هلاك أبدانكم ، ولا تتكلون عليه في صلاح معايشكم ، أرأيتك مدائنكم التي بنيتموها واعتقدتم فيها الآيات ، لو قيل لكم سينزل عليكم ملك بجيوشه فيعم أهلها بالقتل ، وبنيانها بالهدم ، هل كنتم تطيبون نفسا بالمقام فيها والبنيان بها ؟ قالوا : لا ، قال : فوالله إن أمر هؤلاء الآدميين لصائر إلى هذا ، قالوا : قد أشربت قلوبنا حب الدنيا ، قال : / مع الأسفار البعيدة تكون الأرباح الكثيرة ، فيا عجبا للجاهل والعالم كيف استويا في هلاك أنفسهما ، ألا أن الَّذي يسرق ولا يعرف عقوبة السارق أعذر من العارف بعقوبته ، وإني أرى هذا العالم يبذلون أنفسهم دون أموالهم ، فكأنهم لا يصدقون بما يأتيهم به أنبياؤهم . قالوا : ما سمعنا أحدا من أهل الملك [ 2 ] يكذب شيئا مما جاءت به الأنبياء ، قال : من ذلك اشتدّ عجبي من اجتماعهم [ 3 ] على التصديق ومخالفتهم [ 4 ] في الفعل ، قالوا : أخبرنا كيف أول معرفتك للأمور ؟ قال : من قبل الفكر تفكرت في هلاك هذا العالم ، فإذا ذلك من قبل أربعة أشياء جعلت فيهن اللذات ، وهي أربعة أبواب مركبة في الجسد ، منها ثلاثة في الرأس : العينان والمنخران والحنك ، وواحد في البطن وهو الفرج ، فالتمست خفة المؤنة في هذه الأبواب فوجدت أيسرها مئونة باب المنخرين ، ثم التمست الخفة المئونة الحنك ، فإذا هو غذاء لا قوام للجسد إلا به ، فإذا صارت تلك المئونة في الوعاء استقرت ، فتناولت ما تيسر من المطعم والمشرب ، وصرت بمنزلة رجل كان يتخذ الرماد من الخلنج والصندل فثقلت عليه المئونة ، فاتخذ الرماد من الزبل والحطب . ونظرت في مئونة الفرج فإذا هو والعينان موصلان بالقلب ، فلم أجد شيئا أصلح لهما من العزلة وبغض إلى منزلي الَّذي كان فيه [ 5 ] مقامي مع من لا يعقل إلا أمر دنياه ، فتخببت هذا المنزل فقطعت عني أبواب الخطيئة ، وحسمت في نفسي لذات أربعا وقطعتهن بخصال أربع .
--> [ 1 ] في الأصل : « تتوكلون » وما أوردناه من ت . [ 2 ] في ت : « أهل الملة » . [ 3 ] في الأصل : « اجتماعكم » وما أوردناه من ت . [ 4 ] في الأصل : « مخالفتكم » وما أوردناه من ت . [ 5 ] في الأصل : « الَّذي كنت فيه » ، وما أوردناه من ت .