حبيب الله الهاشمي الخوئي

73

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

المعنى ذكر عليه السّلام في هذه الجمل من الكلام فصلان : أحدهما في تدبير النّفس ومن أهمّ مسائل الحكمة العملية ، والثاني في آداب المعاشرة وتدبير الاجتماع ولهذا فصّل أحدهما عن الاخر وقال : أربعا وأربعا . عرّف وفور العقل بأنه أغنى العقل ، والمقصود من غنى العقل أن يكون تعقل الانسان مضيئا يوضح له كافّة جوانب حياته وجميع نواحي حوائجه ، فيهديه في كلّ شأن من الشؤون إلى ما هو صلاحه ، ويحفظه عن ارتكاب ما يضرّه ولا يحتاج إلى من يكفّله ويحافظه كالقيّم عليه ، ومن نواحي الحياة درك لزوم التعلَّم عند العالم فيما كان جاهلا ، والرّجوع إلى المشير إذا كان الأمر عليه مبهما ، فلا يكون المراد من غنى العقل التفرّد بكلّ شيء والاستغناء عن التعليم والاستشارة ، كيف والنّبي صلَّى الله عليه وآله مع كونه كلّ العقل وغير محتاج إلى المعلَّم مأمور بالاستشارة مع امّته في الأمور فقال تعالى : * ( » فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ « ) * - 159 آل عمران » . وتبيّن من ذلك أنّ أكبر الفقر الحمق لأنّ الأحمق لا يهتدى إلى أن يرجع إلى العالم فيما يجهل ، ولا إلى المشاور فيما لا يفهم ولا يعقل . والعجب يوجب الترفع وتوقع الاحترام من الأنام ، فالمعجب يرى نفسه في مقام لا يرى معه غيره فيبتلى بالوحشة ويمنع ترفعه من الانس والخلطة مع أبناء جنسه ، فيزيد بذلك وحشته ، فالعجب أوحش الوحشة . والحسب هو الانتماء إلى بيت رفيع يختلف إليه النّاس ويحبّون ذويه فإذا كان الانسان صاحب خلق حسن مع أبناء جنسه وبني نوعه يجتمعون إليه ويحبّونه . والمصادقة رابطة وديّة بين الصديقين تقتضي المعاونة في الأمور والمشاركة في دفع المحذور ، فإذا كان الصّديق أحمقا لا يميز النفع من الضرّ ، ولا الخير من الشرّ ويجلبه رابطة الصّداقة إلى إيصال النفع إلى صديقه ولكن غباوته وحمقه يجرّه .