حبيب الله الهاشمي الخوئي

26

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

اللغة ( قدر ) قدرا . . . على الشيء : قوي عليه ( العداوة ) الخصومة والمباعدة والعدوّ جمع الأعداء . المعنى القدرة من أفضل النعم وأمجد الكرم الَّذي منّ الله به على الكائنات ، فالقدرة هي النشاط والحركة التي بها يستكمل كلّ موجود سيره ويصعد على درجات الكمال ، وبها تتصوّر المادة على أنواع شتّى الكائنات ، فالقدرة حركة في ذاتها ودفاع عن مضاداتها وكلّ عائق عن الحركة عدوّ لدود لا بدّ من دفعه والمضيّ في سبيل الرقى والكمال . وأفضل الدفاع عن العدوّ تسخيره وتحويله إلى رفيق مساعد كما يشاهد في استكمال القوى الحيويّة فإنها تعمل في مضاداتها وتجعل منها آلاتها ومعدّاتها فإذا ظهر تجاه الانسان عدوّ يضادّه ويعانده وأنعم الله على عبده بالقدرة على عدوّه فليحذر سلّ سيف الانتقام ، بل يعفو عنه شكرا على هذه النعمة ، ويجعله بمنّه من أصدقائه ومعاونيه ، فالشكر من موجبات مزيد النعم ووفور الكرم ، والعفو عن المسئ يوجب ذلك بتحوّل العدوّ صديقا ، والسّاخط محبّا رفيقا . وسير الأنبياء والأكابر مليء بالعفو عند القدرة كيف والعفو من صفات الله تعالى أقدر القادرين ، والقاهر فوق المذنبين كلّ حين . ونقل في السير انه لما دخل كورش الأكبر معبد بابل كمن له أرتب على شجرة في طريقه ليرميه بسهم قاتل ، ولما رمى بسهمه كبا فرس كورش وهبط إلى الأرض فأخطأ السهم فأخذ أرتب ومثّل بين يدي كورش ولا يظنّ أحد أنه ينجو من القتل ولا طمع هو فيه ، ولكن كورش عفا عنه فصار من أخلص أصدقائه وأوفى خدمه وجنده ، وحضر معه كافة المعارك حتى إذا أصيب كورش بجرح ومات قتل أرتب نفسه فوق جنازته ، ولم يحبّ الحياة دونه بعده ، وهذا من أغرب آثار العفو عن العدوّ المذنب بعد القدرة عليه .