حبيب الله الهاشمي الخوئي

22

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

وهذه الحواس والخصائص الإنسانيّة عظيمة وظريفة جدّا إلى غير النهاية ولكن لا يتوجّه إلى دقائقها أفكار أولئك الأعراب في هذا العصر ، ولا يستعدّون لدرك ما أودع في هذه الحواسّ من دقائق الصنع ولطائف الخلقة الَّتي ما زالت العلماء والبحاثة يتدارسونها ويبحثون عنها طيلة القرون الماضية والحاضرة ويعترفون بعدم الوصول إلى غورها . فمسألة الابصار من مسائل الحكمة الطبيعة من عهد فلاسفة يونان ، وتوجّه العلماء إليها إلى الان ، واكتشفوا الطبقات السبعة للعين وما فيها من المواد والنسوج والأوردة والجلود ، ولكن يتحيّرون في كيفيّة إدراك النّفس للصورة المنطبقة في عدسة العين . كما أنّ تأثّر عضلات اللَّسان من إرادة المتكلَّم بسهولة ومران لا يتوجّه إليه المتكلَّم سرّ لم ينكشف للعلماء الباحثين . وهكذا نقل أثر الارتجاجات القارعة على الصماخ في النّفس الانسانيّة أمر مجهول للعلماء الباحثين . وهذا الثقب الخيشومي الذي وسيلة لدخول الهواء دائما إلى الرّية من عجائب صنع الله . وقد استلفت عليّ عليه السّلام نظر مستمعيه إلى ظاهرة هذه الحواسّ والخواصّ واختلاف مناحيها وآلاتها المودعة فيها ، فالنظر بظاهره ينبعث من الشحم المودع في العين ، والتكلَّم يخرج من اللسان والشفتين ، والسمع يقع من عظمى الصماخين كما أنّ التنفس يتحقّق من ثقب الأنف الذي هو داخل الخرم . ومن ناحية أخرى ينبّه الانسان على ضعفه في أصول حياته لينزله من مركب غروره وهناته ، ويشير إلى أنّ أعظم أركان وجوده قائم على أمور خفيفة ومبان ضعيفة فمبدأ نظره الذي هو نور وجوده وضياء ديجوره الَّذي لو سلب عنه اظلمت عليه الدّنيا وما فيها ، قطعة صغيرة من الشحم الَّذي لو عرض على أحد لا يشتريه بفلس وكلامه الَّذي هو قوام انسانيّته ومبدأ فخره على سائر أبناء جلدته الحيوانيّة