حبيب الله الهاشمي الخوئي
40
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
عنك فلا تظهر ، وقد تظهر لك ولا يمكنك إصابتها . وقال ابن ميثم : نبّه بقوله : ليس كلّ عورة - إلى قوله : رشده ، على أنّ من الأمور الممكنة والفرض ما يغفل الطالب البصير عن وجه طلبه فلا يصيبه ولا يهتدى له ، ويظفر به الأعمى - إلى أن قال : وغرض الكلمة التسلية عن الأسف والجزع على ما يفوت من المطالب بعد إمكانها . أقول : قد ارتبط ابن ميثم هذه الجمل الأربع إلى غرض واحد ، والظاهر أنّ كلَّا منها حكمة عامّة تامّة ، والمقصود من العورة العيب في عدوّ أو غيره المعرض للانكشاف ، فيقول : ربّما يبقي عيب معروض للانكشاف مستورا لغفلة الناس أو سبب آخر ، كما أنه ربّما لا يستفاد من الفرصة وربما يخطأ البصير عن قصده كما أنه ربّما يصيب الأعمى رشده . وهذه الحكم كلَّها من قبيل المثل السائر المشهور : رميّة من غير رام وتنبيه على أنّ الأسباب المعمولة ليست عللا تامّة للوصول إلى المقاصد والأهداف . ونبّه بقوله عليه السّلام ( من أمن الزّمان خانه ومن عظَّمه هانه ) على أنّ الزّمان إذا أقبل على الانسان لا يصحّ الاعتماد عليه ، فإنه دوّار غدّار كما قال أبو الطيّب : وهي معشوقة على الغدر لا تحفظ عهدا ولا تتمم وصلا وقد أشار إلى السّبب الأساسي في تغيير الزّمان على بني الانسان فقال : ( إذا تغيّر السلطان تغيّر الزّمان ) ذكر الشارح المعتزلي « ص 121 ج 16 ط مصر » في شرح هذه الجملة : في كتب الفرس أنّ أنوشروان جمع عمّال السّواد وبيده درّة يقلبها ، فقال : أيّ شيء أضرّ بارتفاع السّواد وأدعى إلى محقه أيّكم قال ما في نفسي جعلت هذه الدرّة في فيه فقال بعضهم : انقطاع الشّرب ، وقال بعضهم : احتباس المطر وقال بعضهم : استيلاء الجنوب وعدم الشمال ، فقال لوزيره : قل أنت فإني أظنّ عقلك يعادل عقول الرّعيّة كلَّها أو يزيد عليها ، فقال : تغيّر رأى السلطان في رعيّته ، وإضمار الحيف لهم ، والجور عليهم ، فقال : للَّه أبوك ، بهذا العقل أهلَّك