حبيب الله الهاشمي الخوئي
60
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ما ولَّيت في زحف قطَّ ثمّ قال له : البس يا ابن عباس ، فلبس درعا سعد ياثمّ تقدم إلى الميمنة وقال : احملوا ، ثمّ إلى الميسرة وقال : احملوا ، وجعل يدفع في ظهري ويقول : تقدّم يا بنيّ فجعلت أتقدّم حتى انهزموا من كلّ وجه . وروى الواقديّ عن هشام بن سعد عن شيخ من مشايخ أهل البصرة قال : لمّا صفّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام صفوفه أطال الوقوف والناس ينتظرون أمره ، فاشتدّ عليهم ذلك ، فصاحوا حتّى متى ، فصفق بإحدى يديه على الأخرى ثمّ قال : عباد الله لا تعجلوا فإني كنت أرى رسول الله صلَّى الله عليه وآله يستحبّ أن يحمل إذ اهبت الريح قال : فأمهل حتّى زالت الشّمس وصلَّى ركعتين ثمّ قال : ادعوا ابني محمّدا ، فدعي له محمّد ابن الحنفيّة فجاء وهو يومئذ ابن تسع عشر سنة ، فوقف بين يديه ودعا بالراية فنصبت فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما هذه الراية لم تردّ قطَّ ولا تردّ أبدا وإني واضعها اليوم في أهلها ، ودفعها إلى ولده محمّد وقال : تقدّم يا بنيّ فلمّا رآه القوم قد أقبل والراية بين يديه فتضعضعوا فما هو إلَّا أنّ الناس التقوا ونظروا إلى غرة أمير المؤمنين عليه السّلام ووجدوا مسّ السلاح حتى انهزموا . وروى محمد بن عبد الله بن عمر بن دينار قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام لابنه محمّد : خذ الراية وامض ، وعليّ عليه السّلام خلفه فناداه يا أبا القاسم فقال : لبّيك يا أبة ، فقال : يا بنيّ لا يستنفزّنك ما ترى قد حملت الراية وأنا أصغر منك فما استنفزني عدوّي وذلك أنني لم أبارز أحدا إلَّا حدّثنني نفسي بقتله ، فحدّث نفسك بعون الله تعالى بظهورك عليهم ولا يخذلك ضعف النفس من اليقين فانّ ذلك أشدّ الخذلان ، قال : قلت يا أبة أرجو أن أكون كما تحبّ إن شاء الله ، قال : فالزم رأيتك فإن اختلفت الصفوف قف في مكانك وبين أصحابك فإن لم تبين من أصحابك فاعلم أنّهم سيرونك . قال : والله إنّي لفي وسط أصحابي فصاروا كلَّهم خلفي وما بيني وبين القوم أحد يردّهم عنّي وأنا أريد أن أتقدّم في وجوه القوم فما شعرت إلَّا بأبي خلفي قد جرّد بسيفه وهو يقول : لا تقدّم حتّى أكون أمامك ، فتقدّم بين يدي يهرول ومعه طائفة من أصحابه ، فضرب الَّذين في وجهه حتّى نهضوهم ولحقتهم بالراية فوقفوا