حبيب الله الهاشمي الخوئي

4

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

فهو عليه السّلام أراد إعلام أهل الكوفة بنهوض أهل المدينة على ذلك الحدّ ليرغبوا في الجهاد وينصروا دين الله وينهضوا لقتال أصحاب الجمل معهم ويهتمّوا همّتهم في إماتة الباطل وإزاحة أهله ، ولذا أمرهم عليه السّلام بالسّرعة إليه والمبادرة بالجهاد . قوله عليه السّلام : ( وجاشت جيش المرجل ) أي غلت كغليان الماء في القدر . والمراد إخبار أهل الكوفة باضطراب أهل المدينة وولعهم بالجهاد لما علموا بمسير الناكثين وأتباعهم إلى البصرة لإثارة الفتنة . وهذا أيضا تحريض أهل الكوفة على النهضة والجهاد . قوله عليه السّلام : ( وقامت الفتنة على القطب ) أي الفتنة الَّتي أثارها النّاكثون وأتباعهم قامت على القطب ، شبّه الفتنة بالرحى بقرينة القطب ، أي أنّ رحى الفتنة دائرة والمراد أنّ الفتنة قائمة ونارها مشتعلة فاسرعوا إلى إطفائها ، ففيها أيضا تحريض أهل الكوفة على الجهاد . وقد قدّر بعض الشّارحين الجملة بقوله : قامت الفتنة في المدينة على القطب حيث فسّرها بأنّ رحى الفتنة في المدينة دائرة ، ولا يخفى أنّ ذلك التقدير غير مناسب للمقام لأنّ فتنة الحرب حين إرساله عليه السّلام الكتاب إلى أهل الكوفة كانت في البصرة بين أصحاب الجمل وعامله عليه السّلام عثمان بن حنيف قائمة كما سيتضح في شرح الكتاب الثاني إن شاء الله تعالى . وهو عليه السّلام كان ساعتئذ في ذي قار كما دريت ممّا حقّقنا آنفا ، وبالجملة أنّه عليه السّلام أعلم أهل الكوفة بأنّ الفتنة قائمة على القطب ولا حاجة إلى ذلك التقدير فكأنّما اغترّ ذلك البعض من الجمل المتقدّمة . ثمّ يمكن أن يقال : إنّه عليه السّلام أراد بالقطب نفسه ، فانّه عليه السّلام قطب الاسلام والمسلمين يقال : فلان قطب بني فلان أي سيّدهم الَّذي يدور عليه أمرهم ، وكذا يقال لصاحب الجيش : قطب رحى الحرب تشبيها بالنقطة الَّتي يدور عليها الفلك ويسمّونها قطب الفلك ، فيكون المعنى أنّ تلك الفتنة أقبلت إليه وقامت وهجمت عليه فتكون كلمة على ، على هذا الوجه للضّرر وعلى الوجه الأوّل للإستعلاء