حبيب الله الهاشمي الخوئي
3
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الجزء السابع عشر تتمة باب المختار من كتب مولانا أمير المؤمنين ع ورسائله إلى أعدائه وأراء بلاده [ تتمة المختار الأول من كتبه عليه السّلام ورسائله ] تتمة المعنى قوله عليه السّلام : ( واعلموا أنّ دار الهجرة قد قلعت بأهلها وقلعوا بها ) أي أنّ مدينة الرّسول صلَّى الله عليه وآله فارقت أهلها وخلت منهم وكذا أهلها فارقوها على ما بيّنا في تفسير لغات الكتاب . وأمّا مراده عليه السّلام منه فقال بعضهم : إنّه عليه السّلام يخبرهم من قوله واعلموا - إلى - على القطب ، عن سبب حركته وخروجه من المدينة أنّ المدينة قامت فيها رحى الفتنة واضطربت أحوال ساكنيها وأمورهم وجاشت جيش المرجل من الهرج والمرج ، وانقلبت أحوال البلد وتبدّلت بحيث ليس المقام فيها للنّاس سيّما للمؤمنين والخواص بميسور ، ولذا خرج منها وجعل الكوفة مهاجره ومقرّ خلافته . أقول : لا يخفى على أنّ هذا التفسير لا يناسب المقام ولا يوافق قوله عليه السّلام فأسرعوا إلى أمير كم وبادروا جهاد عدوّكم ، فانّه عليه السّلام كتب إليهم الكتاب ليستنفرهم إلى الجهاد كما صرّح به في ذيل الكتاب ونفر من المدينة نحو البصرة لجهاد الناكثين ، لا أنّه يخبرهم عن صرف سبب خروجه منها ، وهذا ظاهر لا كلام فيه . ويقرب من هذا التّفسير ما قيل : إنّه عليه السّلام كنّى بقلعها بأهلها وقلعهم بها عن اضطراب أمورهم بها وعدم استقرار قلوبهم من ثوران هذه الفتنة . أقول : الظَّاهر أنّه عليه السّلام لمّا أخبر أهل الكوفة عن أمر عثمان وعن سيرته معه وعمّا جرى عليه من طلحة والزّبير وعائشة وعن بيعة النّاس أعلمهم أنّ منهم من نكثوا البيعة وأثاروا الفتنة ونشّطوا أقواما على الحرب وهيّجوا بين النّاس الشرّ والعداوة والشحناء حتّى أقاموا الحرب ، فنهضوا أهل المدينة مجاهدين في سبيل الله أعداء الله لإطفاء هذه النّائرة وإزالة الفتنة نهضة خلت المدينة من أهلها وفارقها ساكنوها ، سيّما أنّهم كانوا من أفعال عثمان وشيعته متألَّمين ، فلما رأوا أنّ آل عثمان تمسّكوا بدم عثمان تفتينا لم يلبثوا في المدينة خوفا من أن تشيع الفتنة ويفسد المبطلون ، فبادروا إلى جهاد عدوّهم فقلعوا بالمدينة مسرعين .