حبيب الله الهاشمي الخوئي
87
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وغرضه من ذلك إما أن معرفة اللَّه تعالى فطرى غريزي فطرة اللَّه الَّتي فطر الناس عليها والعقل وحده كاف في معرفته عزّ وجل وهو القائد إلى جنابه وأصول صفاته فلا يحتاج الإنسان في معرفته تعالى إلى خلقه بما أعطاه من العقل يسلكه إلى الصراط المستقيم قال عزّ من قائل * ( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ) * فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل يعرف بالعقل الَّذي أعطاه خلقه . وإمّا أنّ اللَّه جل جلاله هو الغني القائم بالذات واجب الوجود في ذاته وصفاته وما سواه ممكن مفتقر إليه ومستند به تعالى ظاهر بظهوره وموجود بوجوده * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) * وهو تعالى لارتفاع مكانه وجلال كبريائه وشدّة وجوده وبساطته أجل من أن يعرف بخلقه على انّه تعالى لا حدّ عليه ولا ضدّ ولا ندّ حتّى يعرف بها بل هو سبب كلّ شيء وعلته فهو الأوّل عند أولى الأبصار ، فإن أوّل ما يعرف من عرفان كلّ شيء هو اللَّه تعالى قال سيد الموحدين عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام : ما عرفت شيئا إلَّا وقد عرفت اللَّه قبله وقال عليه السّلام : اعرفوا اللَّه باللَّه . ومن كلام مولانا سيّد الشهداء أبي عبد اللَّه الحسين عليه السّلام في دعاء عرفة : كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك . وقال أيضا : تعرفت لكلّ شيء فما جهلك شيء وقال : تعرفت إلىّ في كلّ شيء فرأيتك ظاهرا في كلّ شيء فأنت الظاهر لكلّ شيء . فهو تعالى أجل وأكرم من أن يعرف ذاته ومن جهة خلقه بل لا يعرف غيره على الحقيقة إلَّا به . وإما أنّه تعالى أجل وأكرم من أن يدرك عامة النّاس لطائف صنعه ودقائق حكمته ومصلحته في فعله وقوله بل الخلق يعرفونها باللَّه تعالى اى بارساله الرسل وانزاله الكتب والظاهر أن خير الوجوه أوسطها . والمطلب الثاني أن من عرف ان له ربّا عرف ان لذلك الربّ صفات قدوسية متعالية لائقة بجنابه فلمّا عرف ذلك بنور العقل السليم والعقل السّليم يشتاق التقرب إلى جنابه ويطلب ما يوصله ببابه لأنّ الانسان جبّل