حبيب الله الهاشمي الخوئي

84

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

في شيء من أحوالهم ، وقوله عليه السّلام : في شيء من أحوالهم تتعلَّق بقوله غير مشاركين للنّاس . واعلم أنّ اللَّه جعل المزاج الانساني أعدل الأمزجة لتستوكره نفسه الناطقة الَّتي هي أشرف النّفوس ولابدّ أن يكون وكرها لائقا لها وقال المعلَّم الثّاني أبو نصر الفارابي في المختصر الموسوم بعيون المسائل كما نقله عنه المحقّق الطوسي في آخر النّمط الثّاني من شرحه على الإشارات : حكمة الباري تعالى في الغاية لأنّه خلق الأصول ( يعني بها العناصر ) وأظهر منها الأمزجة المختلفة وخص كل مزاج بنوع من الأنواع وجعل كلّ مزاج كان أبعد عن الاعتدال سبب كلّ نوع كان أبعد عن الكمال وجعل النّوع الأقرب من الاعتدال مزاج البشر حتّى يصلح لقبول النّفس النّاطقة انتهى . وكما أنّ النفس الناطقة مميّزة عن سائر النفوس باثار وأفعال تخصّ بها ولابد أن يكون مزاجها المتعلق بها اعدل من غيره كذلك الأنبياء الَّذين غير مشاركين للنّاس على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم وأفعالهم لابدّ من أن يكون مزاجهم أعدل الأمزجة الانسانيّة اللائق بنفوسهم القدسية . ولمّا كان الأنبياء عليهم السّلام بعضهم أفضل من بعض كما قال تعالى : * ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ) * الآية ( البقرة : 255 ) فلابدّ من أن يكونوا متفاوتين في اعتدال المزاج وصفاء النّفس النّاطقة القدسية وسعتها الوجوديّة وكذا الكلام في خاتمهم الَّذي هو أكمل موجود في النّوع الانساني واوتى جوامع الكلم الَّتي هي امّهات الحقائق الالهيّة والكونيّة ، ولذا كان الرّوح المحمّدي صلَّى اللَّه عليه وآله أوّل دليل على ربّه لأنّ الربّ لا يظهر إلَّا بمربوبه ومظهره وكمالات الذات بأجمعها انّما تظهر بوجوده الأكمل . والمروي عنه صلَّى اللَّه عليه وآله : واللَّه لو كان موسى حيّا بين أظهركم ما حلّ له إلَّا أن يتبعني . قوله عليه السّلام : حكماء مؤدّبين في الحكمة . أي أدّبهم اللَّه تعالى في الحكمة يقال : أدّبه إذا هذّبه وراض أخلاقه وأدّ به في أمر إذا علَّمه وراضه حتّى تأدّب فيه وفي الجامع الصّغير في أحاديث البشير النذير نقلا عن ابن عدي في الكامل عن