حبيب الله الهاشمي الخوئي
85
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
ابن مسعود انّه صلَّى اللَّه عليه وآله قال : أدّبني ربّي فأحسن تأديبي . ومن حيث انّهم عليهم السّلام حكماء مؤدّبين في الحكمة والحكمة هو العدل والوسط في كلّ أمر فهم على الجادة الوسطى الَّتي ليست النّجاة إلَّا بالاستقامة فيها فمن اقتدى بهم واقتفى آثارهم فقد هدى إلى الصّراط المستقيم فانّ الحجج الالهيّة في الحقيقة موازين للنّاس ونبيّ كلّ امّة هو ميزان تلك الأمة لأن ميزان كلّ شيء بحسبه هو المعيار الَّذي يعرف به قدره وحدّه وصحته وسقمه وزيادته ونقصانه واستواؤه فقد يكون ذلك الشيء من الأجسام فميزانه ما وضع من جنسه من الأحجار وغيرها كالمدّ والمنّ والمكاييل والزرع وغيرها لتعيين وزن ذلك الشيء وتقديره وقد يكون ذلك الشيء من الكلمات فيوزن صحتها واعتلالها بميزانه الذي هو الفاء والعين واللام كما بيّن في علم الصرف . وعلم المنطق يكون ميزانا لتمييز النتيجة الصحيحة من السقيمة ، وعلم العروض ميزانا للأشعار ، وميزان النّاس ما يوزن به قدر كل امرء وقيمته على حسب أعماله وأخلاقه وعقائده وصفاته وحيث انّ الأنبياء بعثوا على الحق ولا يميلون عن العدل مقدار قطمير ولا يصدر منهم سهو ولا نسيان فهم معيار الحق وميزان الصّدق وفيصل الأمور فمن تأسّي بهم وحذا حذوهم فقد فاز فوزا عظيما وإلَّا فقد خسر خسرانا مبينا . وبما ذكرنا علم ما في الكافي عن الامام الصّادق عليه السّلام من انّه سئل عن قول اللَّه * ( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * ( الأنبياء : 48 ) قال : هم الأنبياء والأوصياء وكذا في رواية أخرى عنه عليه السّلام : نحن الموازين القسط . قوله عليه السّلام : مؤيدون عند الحكيم العليم بالحكمة ، أي كما انّهم مؤدّبون في الحكمة كذلك مؤيّدون بالحكمة من عنده تعالى تدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته ليميز الخبيث من الطيب والحق من الباطل فلو لم يكونوا مؤيّدين بها من عنده تعالى بالحكمة أعني بالبينات والمعجزات القولية والفعلية لما يفصل بين النبيّ والمتنبّي ، قال عزّ من قائل * ( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) * ( الحديد : 26 ) .