حبيب الله الهاشمي الخوئي

76

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يهديهم سبيل الخير والهدى وما يوجب لهم عنده الزلفى ، فلابد من وجوب التكليف في الحكمة وإلَّا لكان مغريا بالقبيح تعالى عن ذلك لأنّه خلق في العبد الشهوة والميل إلى القبائح والنفرة والتأبي عن الحسن فلو لم يقرر عبده عقله ولم يكلَّفه بوجوب الواجب وقبح القبيح ويعده ويتوعده لكان مغريا له بالقبيح والاغراء بالقبيح قبيح والتكليف لا يتم إلَّا بالإعلام وهو لا يتم إلَّا بارسال الرّسل المؤدبين بآدابه المؤيدين من عنده بأمور قدسيّة وكرامات الهية ومعجزات وخوارق عادات . وبالجملة من هدى عقله إلى جناب الربّ هدى إلى ما يتفرع عليه فقد أفلح وسعد وفاز ولذا ترى من سنة الأنبياء أن أوّل ما لقنوا عباد اللَّه كلمة لا إله إلَّا اللَّه والمروي عن خاتمهم صلَّى اللَّه عليه وآله قولوا لا إله إلَّا اللَّه تفلحوا . نعم لا يجب على السانّ تلقين جميع النّاس معرفته تعالى على الوجه الذي لا يفهمه إلَّا الأوحدي من النّاس الحكيم المتأله المرتاض في الفنون والعلوم فان معاشر الأنبياء بعثوا ليكلموا النّاس على قدر عقولهم ، ولا ريب أن الادراكات والنيل إلى المعارف والعلوم يتفاوت بحسب مراتب النّاس في صفاء نفوسهم وصقالتها قال الشيخ في إلهيات الشفاء : ويكون الأصل الأوّل فيما يسنه تعريفه إيّاهم أن لهم صانعا واحدا قادرا وأنّه عالم بالسرّ والعلانية وأنّه من حقّه أن يطاع أمره فانّه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق ، وأنه قد أعدّ لمن أطاعه المعاد المسعد ولمن عصاه المعاد المشقي حتّى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الاله والملائكة بالسمع والطاعة ولا ينبغي له أن يشغلهم بشيء من معرفة اللَّه فوق معرفة أنّه واحد حق لا شبيه له . فأمّا ان يعدي بهم إلى أن يكلفهم أن يصدّقوا بوجوده وهو غير مشار إليه في مكان ولا منقسم بالقول ولا خارج العالم ولا داخله ولا شيء من هذا الجنس ، فقد عظم عليهم الشغل وشوش فيما بين أيديهم الدّين وأوقعهم فيما لا تخلص عنه إلَّا لمن كان المعان الموفق الذي يشذ وجوده ويندر كونه ، فانّه لا يمكنهم أن يتصوروا هذه الأحوال على وجهها إلَّا بكدّ وإنّما يمكن القليل منهم أن يتصوروا حقيقة هذا