حبيب الله الهاشمي الخوئي

77

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

التوحيد والتنزيه فلا يلبثوا أن يكذبوا بمثل هذا الموجود ويقعوا في تنازع وينصرفوا إلى المباحثات والمقايسات بمثل الَّتي تصدّهم عن أعمالهم المدنية ، وربما أوقعهم في آراء مخالفة لصلاح المدينة ومنافية لواجب الحق وكثرت فيهم الشكوك والشبه وصعب الأمر على السانّ في ضبطهم فما كل بميسّر له في الحكمة الالهيّة ولا السانّ يصلح له أن يظهر أن عنده حقيقة يكتمها عن العامّة بل يجب أن لا يرخص في تعرض شيء من ذلك . بل يجب أن يعرفهم جلال اللَّه تعالى وعظمته برموز وأمثلة من الأشياء الَّتي هي عندهم جليلة وعظيمة ويلقى إليهم مع هذا هذا القدر أعني انّه لا نظير له ولا شريك له ولا شبيه . وكذلك يجب أن يقرر عندهم أمر المعاد على وجه يتصورون كيفيته ويسكن إليه نفوسهم ويضرب للسعادة والشقاوة أمثالا ممّا يفهمونه ويتصورونه . وأمّا الحق في ذلك فلو يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا وهو أن ذلك شيء لا عين رأت ولا أذن سمعته وأن هناك من اللذّة ما هو ملك عظيم ومن الألم ما هو عذاب مقيم . وكذا قال زينون الكبير تلميذ ارسطاطا ليس في رسالته في المبدأ والمعاد : النبيّ يضع السنن والشرائع ويأخذ الأمة بالترغيب والترهيب يعرّفهم أن لهم الها مجازيا لهم على أفعالهم يثيب الخير ويعاقب على الشر ولا يكلَّفهم بعلم ما لا يحتملونه فان هذه الرتبة هي رتبة العلم أعلى من أن يصل إليها كلّ أحد . ثمّ قال : قال معلمي أرسطاطاليس حكاية عن معلمه افلاطن : إنّ شاهق المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كلّ سائر . أقول : وكأن الشيخ الرّئيس قد لاحظ عبارة زينون فيما قاله في آخر النمط التاسع من الإشارات : جل جناب الحقّ عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطَّلع عليه إلَّا واحدا بعد واحد . قوله عليه السّلام : ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ذلك لما مرّ آنفا من أن الانسان مدني بالطبع محتاج في تعيشه وبقائه إلى اجتماع فلا بد لهم من سانّ معدّل يدبّر أمورهم ويعلَّمهم طريق المعيشة في الدّنيا