حبيب الله الهاشمي الخوئي

75

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يكون النبي داعيا إلى التصديق بوجود خالق مدبر خبير ، وإلى الايمان بشارع مبعوث من قبله صادق ، وإلى الاعتراف بوعد ووعيد اخرويين ، وإلى القيام بعبادات يذكر فيها الخالق بنعوت جلاله ، وإلى الانقياد لقوانين شرعيّة يحتاج إليها النّاس في معاملاتهم حتّى يستمرّ بذلك الدّعوة إلى العدل المقيم لحياة النّوع وهذه قاعدة رابعة . ثمّ إنّ جميع ذلك مقدر في العناية الأولى لاحتياج الخلق إليه فهو موجود في جميع الأوقات والأزمنة وهو المطلوب وهو نفع لا يتصور نفع اعمّ منه . وقد أضيف لممتثلي الشرع إلى هذا النفع العظيم الدنياوي الأجر الجزيل الأخروي حسب ما وعدوه وأضيف للعارفين منهم إلى النفع العاجل والأجر الاجل الكمال الحقيقي المذكور ، فانظر إلى الحكمة وهي تبقية النظام على هذا الوجه ، ثمّ إلى الرّحمة وهو إيفاء الأجر الجزيل بعد النفع العظيم ، وإلى النعمة وهي الابتهاج الحقيقي المضاف إليهما ، تلحظ جناب مفيض هذه الخيرات جنابا تبهرك عجائبه أي تغلبك وتدهشك . ثمّ أقم أي أقم الشرع ، واستقم أي في التوجه إلى ذلك الجناب المقدس . وإذا علم ذلك فلنرجع إلى بيان سائر فقرات الحديث ، قوله عليه السّلام : يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده . قال الجوهري في الصّحاح : عبّرت عن فلان إذا تكلمت عنه ، والمراد أن الأصل الأوّل فيما يسنّه هذا السانّ المعدّل الإلهي هو إيقاظ فطرة النّاس من نوم الغفلة عن مبدء العالم عزّ وجلّ وإنارة عقولهم من أنوار المعرفة به تعالى وإثارة نفوسهم إلى الوصول ببابه والحضور إلى جنابه فان الايمان باللَّه أصل شجرة الدّين وأساس بنيان السنة والشريعة وسائر الأصول والفروع متفرع عليه فمن عرف اللَّه حقّ معرفته عرف ان له صفات عليا وأسماء حسنى لائقة بذاته وانّه تعالى واجب الوجود لا يشارك شيئا من الأشياء في ماهيته وقيوم برئ عن جميع انحاء التعلق بالغير وأنّه تعالى لم يخلق العالم وآدم عبثا فانّ العبث قبيح لا يتعاطاه المبدأ الحكيم ، والمبدأ الحكيم تعالى عن أن يترك النّاس حياري ولا