حبيب الله الهاشمي الخوئي

68

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

رجل غريب تأذن لي في مسألة فقال لي : نعم ، فقلت له : ألك عين فقال : يا بنيّ أي شيء هذا من السؤال وشئ تراه كيف تسأل عنه فقلت : هكذا مسألتي . فقال : يا بنيّ سل وان كانت مسألتك حمقاء . قلت : أجبني فيها قال لي : سل . قلت : ألك عين قال : نعم ، قلت : فما تصنع بها قال : أرى بها الألوان والأشخاص قلت : فلك أنف قال : نعم ، قلت : فما تصنع به قال : أشم به الرائحة . قلت : ألك فم قال : نعم ، قلت : فما تصنع به قال : أذوق به الطعم . قلت : فلك اذن قال : نعم ، قلت فما تصنع بها قال : أسمع بها الصوت . قلت : ألك قلب قال نعم ، قلت : فما تصنع به قال : أميز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح والحواس . قلت : أوليس في هذه الجوارح غني عن القلب فقال : لا ، قلت : وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة قال : يا بنيّ إن الجوارح إذا شكت في شيء شمّتة أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فتستيقن اليقين وتبطل الشكّ ، قال هشام : فقلت له : فانّما أقام اللَّه القلب لشكّ الجوارح قال : نعم ، قلت : لابد من القلب وإلَّا لم تستيقن الجوارح قال : نعم ، فقلت له : يا أبا مروان فاللَّه تعالى لم يترك جوارحك حتّى جعل لها إماما يصحّح لها الصحيح ويتيقن ما شكت فيه ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكَّهم واختلافهم لا يقيم لهم إماما يردّون إليه شكَّهم وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك تردّ اليه حيرتك وشكَّك قال : فسكت ولم يقل لي شيئا ثمّ التفت إليّ فقال : أنت هشام بن الحكم فقلت : لا ، فقال : أمن جلسائه قلت : لا ، قال : فمن أين أنت قال : قلت : من أهل الكوفة . قال : فاذن أنت هو ثمّ ضمني اليه وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه وما نطق حتّى قمت . قال : فضحك أبو عبد اللَّه عليه السّلام وقال : يا هشام من علَّمك هذا قلت : شيء أخذته منك فقال : هذا واللَّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى . بيان الغرض من احتجاج هشام بن الحكم على عمرو بن عبيد وجوب اللطف على اللَّه تعالى فانّه كما اقتضى لطفه خلق القلب إماما لقوى الجوارح والأعضاء ترجع إليه وليست في غنى عنه فكذلك اقتضى جعل إمام للنّاس يرجعون