حبيب الله الهاشمي الخوئي

54

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

قوله تعالى : * ( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّه ُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ ) * . عطف على الكاف من جاعلك وان شئت قلت : ومن ذريتي تتعلق بمحذوف تدل عليه كلمة جاعلك ومن للتبعيض أي اجعل بعض ذريتي إماما كما يقال ساكرمك فتقول وزيدا وإنّما طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بان كلَّهم لا يليق بها لأن ناسا غير محصورين لا يخلو فيهم من ظالم غالبا قال اللَّه تعالى : * ( سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ . كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّه ُ . مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْناه ُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وَبارَكْنا عَلَيْه ِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِه ِ مُبِينٌ ( الصافات 115 ) . وأفاد بعض المفسرين انّه قد جرى إبراهيم على سنة الفطرة في دعائه هذا فان الانسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحبّ أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ليكون له حظ من البقاء جسدا وروحا . ومن دعاء إبراهيم الَّذي حكاه اللَّه عنه في السورة المسماة باسمه * ( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) * ( إبراهيم : 40 ) وقد راعي الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذرّيته بل لبعضها لأنه الممكن ، وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضا وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن اللَّه في خليقته أو في شريعته فهو شريعته فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيئ الأدب مع اللَّه تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته الَّتي لا تتبدّل ولا تتحوّل أو ينسخ شريعته بعد ختم النّبوة واتمام الدين . والعهد في الآية الإمامة الَّتي أعطاها اللَّه تعالى إبراهيم وإنّما سميت تلك الرياسة الإلهية عهد اللَّه لاشتمالها على كلّ عهد عهد به اللَّه تعالى إلى بني آدم كقوله تعالى * ( وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ ) * - و * ( إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) * . ومن عظمها وشرافتها في عين إبراهيم سأل الإمامة لبعض ذريته فأجابه اللَّه تعالى بأن الإمامة عهده ولا يناله الظالمون يقال : نال خيرا ينال نيلا أي أصاب وبلغ منه . وبين اللَّه تعالى انّ عهده ذو مقام منيع ودرجة رفيعة لا يصل اليه يد الظالم القاصرة . وأيضا دلَّت الآية على أن بعض ذريته الظالم لا ينال عهد اللَّه لأن الظالم ليس