حبيب الله الهاشمي الخوئي
34
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وشروحها المتداولة هكذا : عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية . ولكن الصواب ما ضبطناه في المتن اعني كون كلمة « وعاء » مكان « وعاية » ووعاية تحريف وتصحيف من النساخ ولما رأوا كلمة رعاية بعدها غيّر والوعاء بالوعاية ظنّا منهم انّ الكلام يزيد به حسنا وأن الأصل كان كما ظنّوا وكم من نظير لمّا ذكرنا من خطاء النسّاخ وتحريفهم وهم يحسبون انّهم يحسنون صنعا ، وما علموا أن من المحسنات البديعيّة في كلامه عليه السّلام مشابهة قوله « وعاء ورعاية » بقوله « سماع ورواية » فإن الجمع بين وعاء وسماع ممّا يسمى في علم البديع جناس مضارع لتقارب الهمزة والعين في المخرج نحو قوله تعالى * ( « وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْه ُ وَيَنْأَوْنَ عَنْه ُ » ) * وكقوله صلَّى اللَّه عليه وآله الخيل معقود بنواصيها الخير . والجمع بين رعاية ورواية يسمى طباقا . على أن اللغة لا تساعد ما في النسخ وكم فحصنا في كثير من كتب الأدب والمعاجم المتداولة فما وجدنا من وعي أن يأتي وعاية مصدرا أو غير مصدر . الاعراب الضميران في مقامه ومنبته يرجعان إلى الباطل ويمكن أن يرجعا إلى الحق وسيعلم الوجه فيها عند الشرح إن شاء اللَّه تعالى . الفاء في قوله عليه السّلام : فإن رواة العلم كثير فصيحة تنبيء عن محذوف يدلّ عليه ما قبلها وكأنّ الجملة جواب عن سؤال مقدّر والتقدير : إنّما وصفهم بأنّهم عقلوا الدين هكذا ، فأجيب بقوله عليه السّلام : لأنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل . وجاء في بعض النسخ : كلمة الواو مكان الفاء ، أي وإن رواة العلم كثير ولكن الصواب ما اخترناه . المعنى قد ذكر عليه السّلام قريبا من هذه الخطبة في ذيل الخطبة الخامسة والأربعين والمأة وهو قوله عليه السّلام : واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتّى تعرفوا الَّذي تركه ، ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الَّذي نقضه ، ولن تمسكوا به حتّى تعرفوا الَّذي نبذه فالتمسوا ذلك من عند أهله فإنهم عيش العلم وموت الجهل هم الَّذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم