حبيب الله الهاشمي الخوئي

35

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لرب العالمين قال : كطاعة الحواس الخمس للنفس الناطقة ، قال : زدني بيانا ، قال : ألا ترى أيّها الملك انّ الحواس الخمس في إدراك محسوساتها وإيرادها أخبار مدركاتها إلى النفس الناطقة لا يحتاج إلى أمر ونهى ولا وعد ولا وعيد بل كلما همت به النفس الناطقة بأمر محسوس امتثلت الحاسة لما همت به وأدركتها وأوردتها إليها بلا زمان ولا تأخر ولا إبطاء وهكذا طاعة الملائكة لربّ العالمين الَّذين لا يعصون اللَّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لأنّه أحكم الحاكمين . وقال ذلك العارف : وإنّما افتقر القلب إلى هذه الجنود من حيث افتقاره إلى المركب والزاد لسفره الذي لأجله خلق وهذا السفر إلى اللَّه وقطع المنازل إلى لقائه فلأجله جبلت القلوب قال تعالى * ( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * وإنّما مركبه البدن وزاده العلم وإنما الأسباب الموصلة التي توصله إلى الزاد وتمكَّنه من التردد العمل الصّالح فافتقر أولا إلى تعهد البدن وحفظه من الآفات بأن يجلب إليه ما يوافقه من الغذاء وغيره وبأن يدفع عنه ما ينافيه ويهلكه من أسباب الهلاك فافتقر لأجل طلب الغذاء إلى جندين باطن هو قوّة الشهوة وظاهر هو البدن والأعضاء الجالبة للغذاء فخلق في القلب جنود كثيرة من باب الشهوات كلها تحت قوة الشهوة وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوة ، وافتقر لأجل دفع المؤذيات والمهلكات إلى جندين باطن وهو قوّة الغضب الَّذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء وظاهر وهو اليد والرجل الذي يعمل به بمقتضى الغضب وكلّ ذلك بأمور خارجة من البدن كالأسلحة وغيرها . ثمّ المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء الموافق لا ينفعه شهوة الغذاء وآلته فافتقر في المعرفة إلى جندين باطن وهو إدراك البصر والسمع والذوق والشم واللمس وظاهر وهو العين والاذن والأنف وغيرها وتفصيل وجه الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها مما يطول شرحه . فجملة جنود القلب يحصرها ثلاثة أصناف أحدها باعث مستحث إمّا إلى جلب المنافع النافع كالشهوة وامّا إلى دفع المضار المنافي كالغضب وقد يعبر عن هذا