حبيب الله الهاشمي الخوئي
36
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الباعث بالإرادة ، والثاني هو المحرك للأعضاء إلى تحصيل هذه المقاصد ويعبر عن هذا الثاني بالقدرة وهى جنود مبثوثة في ساير الأعضاء لا سيما بالعضلات منها والأوتار والثالث وهو المدرك المتصرف لأشياء كالجواسيس وهى مبثوثة في أعضاء معينة فمع كلّ واحد من هذه الجنود الباطنة جنود ظاهرة هي الأعضاء التي اعدّت آلات لهذه الجنود فإن قوة البطش إنّما يبطش بالأصابع وقوة البصر انّما تدرك بالعين وكذا سائر القوى انتهى . وبالجملة أن قوى البدن كلها جنود للنفس وأن نسبة النّفس إلى البدن كنسبة الرّبان إلى السفينة والملك إلى المدينة بل ألطف وأدقّ وأجلّ وأشمخ من ذلك بمراحل لا يعلمه إلَّا الرّاسخون في العلم اعرضنا عن بيانه خوفا للإطالة وهو محقق ومبرهن في الحكمة العالية ، فإذا كانت حال النّفس مع البدن كذلك فمتى عرض النّفس شاغل من جبن وخوف وخشية ونحوها لا يقدر الانسان على التكلم والمشي والحركة ولا يسمع ولا يعقل وكثيرا ما يعرض الانسان أن عينه واذنه سليمة مفتوحة ويمرّ عنده رجل أو يتكلَّم معه لكنّه لا يسمع ولا يرى لصارف عارض نفسه ، وعرض جعدة على المنبر جبن من ازدحام الناس أو أمر آخر فحصر ومنع فلم يستطع الكلام كما عرض لغير واحد من الخطباء فقام عليّ عليه السّلام وارتقى المنبر فقال : ألا وإن اللَّسان « إلخ » أي إنّ اللَّسان آلة للانسان يتصرف بتصريفه إيّاه فإذا امتنع الانسان عن الكلام لعروض عارض وطار لا يسعد ولا يعين القول إياه كما أن الإنسان إذا اتسع عقله بالمعارف الحقة الإلهية والعلوم الرّبانيّة والكمالات الإنسانية وصار أمير الكلام لا يمهل النطق اللسان بل يسارع إليه ويحدر عنه انحدار السيل عن قلة جبل شامخ . ثمّ ان اللسان لما كان بضعة من الانسان فيكون ما يصدر عنه بضعة وأنموذجا لما هو مستجنّ في ضميره فإذا تكلم فيكون كلامه حاكيا عن سريرته لأنه فاض منه والظاهر عنوان الباطن والمعلول يحكى عن العلة بوجه ما على حدّ وجوده ، وقال بعض الأدباء كما أن الأواني تختبر بضرب الأصابع عليها وتصويتها كذا يعرف مقدار الرّجال